نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩ - سورة الأسراء
جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ (٧٣) وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ وَ أَوْرَثَنَا اَلْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ اَلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشََاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ اَلْعََامِلِينَ (٧٤) [١] ، و لم يأت «لإذا» جواب في طول الكلام للاستغناء عنه [٢] .
و يشهد أيضا بصحة هذا الجواب قول الهذليّ:
حتّى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلاّ كما تطرد الجمّالة الشّردا [٣]
فحذف جواب إذا، و لم يأت به، لأن هذا البيت آخر القصيدة [٤] .
و الوجه الثالث: أن يكون ذكر الإرادة في الآية مجازا و اتّساعا و تنبيها على المعلوم من حال القوم و عاقبة أمرهم، و أنّهم متى أمروا فسقوا و خالفوا؛ و ذكر الإرادة يجري هاهنا مجرى قولهم: إذا أراد التاجر أن يفتقر أتته النوائب من كلّ جهة، و جاءه الخسران من كلّ طريق، و قولهم: إذا أراد العليل أن يموت خلّط في مآكله، و تسرّع إلى كل ما تتوق إليه نفسه؛ و معلوم أنّ التاجر لم يرد في الحقيقة شيئا، و لا العليل أيضا، لكن لمّا كان المعلوم من حال هذا الخسران،
[١] سورة الزمر، الآيتان: ٧٣، ٧٤.
[٢] حاشية بعض النسخ: «كأن التقدير: إذا جاؤوا حضروها و فتحت؛ أو هموا بدخولها، و ما أشبه ذلك، و اللّه أعلم» .
[٣] حواشي بعض النسخ: «البيت لعبد مناف بن ربع الهذلي؛ في آخر قصيدته التي أولها:
ما ذا يغير ابنتي ربع عويلهما # لا تقردان و لا بوسى لمن رقدا
قتائدة: موضع، و الجمالة: أصحاب الجمال، كالبغالة و الحمارة، و انتصاب «شلا» على المصدر، و دلّ على فعل مضمر يحصل بظهوره جواب «حتى إذا سلكوهم» المنتظر، و تلخيصه:
حتى إذا أسلكوهم هذا الموضع شلوهم شلا، يشبه طرد الشرد من الجمال إذا تزاحمت على الماء؛ و هذا كما يقول: طردوهم طرد غرائب الإبل. و معنى أسلكوهم جعلوا لهم مسلكا، و السلك: إدخال شيء في شيء تسلكه فيه، و منه: مََا سَلَكَكُمْ . و روى أبو عبيدة: «الشرد» (بفتح الشين و الراء) ، و قال: تقول: إبل شرد و جلب و طرد» .
و انظر الكلام على هذا البيت في «ديوان الهذليين ٢/٤٢، و أدب الكاتب ٤٢٤، و الاقتضاب ٤٠٢) .
[٤] حاشية بعض النسخ: «جواب الشرط جزء لا يتم المشروط دونه؛ فإذا حذف كان أهول للكلام، كقوله تعالى: وَ لَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ اَلْجِبََالُ... الآية، و كقول القائل: لو رأيت عليا بصفين، و كقولهم: لو ذات سوار لطمتني» .
غ