نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٨٠ - سورة مريم
فيها إلى الزلل؛ لأنّ الكلام و إن كان محتملا لما ذكره بعض الاحتمال من بعد، فإنّ الأولى و الأظهر في معنى ما تقدّم ذكره من المبالغة في وصفهم و قوله تعالى:
لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ بعد ما تقدّم لا يليق إلاّ بالمعنى الذي ذكرناه؛ لا سيما إذا حمل اليوم على أنّ المراد به يوم القيامة؛ على أنّ أبا عليّ جعل قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ من صلة قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ و تأوّله على أنّ المعنيّ به أعلمهم و بصرّهم بأنّهم يوم القيامة في ضلال عن الجنّة. و الكلام يشهد بأنّ ذلك لا يكون من صلة الأوّل و أنّ قوله تعالى:
لََكِنِ استئناف لكلام ثان.
و ما يحتاج أبو عليّ إلى هذا؛ بل لو قال على ما اختاره من التأويل: أنّه أراد أسمعهم و أبصرهم يوم يأتوننا أي ذكّرهم بأهواله، و أعلمهم بما فيه؛ ثمّ قال مستأنفا. لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ لم يحتج إلى ذكره؛ و كان هذا أشبه بالصواب.
فأمّا الوجه الثاني الذي ذكره فباطل، لأنّ قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ إذا تعلّق بالأنبياء الذين ذكرهم اللّه تعالى بقي قوله يَوْمَ يَأْتُونَنََا بلا عامل و محال أن يكون ظرف لا عامل له؛ فالأقرب و الأولى أن يكون على الوجه الأوّل مفعولا.
و وجدت بعض من اعترض على أبى عليّ يقول رادّا عليه: لو كان الأمر على ما ذهب إليه أبو عليّ لوجب أن يقول تعالى: أسمعهم و أبصرهم بغير باء، و هذا الردّ غير صحيح؛ لأنّ الباء في مثل هذا الموضع غير منكر زيادتها؛ و ذلك موجود كثير في القرآن و الشعر؛ قال اللّه تعالى: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ [١] ، عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ [٢] ، وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ [٣] ، تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [٤] .
و قال الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا
[١] سورة العلق، الآية: ١.
[٢] سورة الإنسان، الآية: ٦.
[٣] سورة مريم، الآية: ٢٥.
[٤] سورة الممتحنة، الآية: ١.