نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٧٨ - سورة مريم
و ما معنى قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ ؟أيّ يوم هو اليوم المشار إليه؟و ما المراد بالضلال المذكور؟.
الجواب: قلنا: أمّا قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ ؛ فهو على مذهب العرب في التعجّب؛ و يجري مجرى قولهم: ما أسمعه!و ما أبصره!و المراد بذلك الإخبار عن قوّة علومهم باللّه تعالى في تلك الحال؛ و أنّهم عارفون به على وجه الاعتراض للشبهة عليه؛ و هذا يدلّ على أنّ أهل الآخرة عارفون باللّه تعالى ضرورة؛ و لا تنافي بين هذه الآية و بين الآيات التي أخبر تعالى عنهم فيها بأنّهم لا يسمعون و لا يبصرون؛ و بأنّ على أبصارهم غشاوة؛ لأنّ تلك الآيات تناولت أحوال التكليف، و هي الأحوال التي كان الكفّار فيها ضلاّلا عن الدين، جاهلين باللّه تعالى و صفاته. و هذه الآية تتناول يوم القيامة؛ و هو المعنى بقوله تعالى: يَوْمَ يَأْتُونَنََا ؛ و أحوال القيامة لا بدّ فيها من المعرفة الضرورية. و تجري هذه الآية مجرى قوله تعالى: لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هََذََا فَكَشَفْنََا عَنْكَ غِطََاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ [١] .
فأمّا قوله تعالى: لََكِنِ اَلظََّالِمُونَ اَلْيَوْمَ فِي ضَلاََلٍ مُبِينٍ فيحتمل أن يريد تعالى بقوله: اَلْيَوْمَ الدّنيا و أحوال التكليف؛ و يكون الضلال المذكور إنّما هو الذّهاب عن الدين و العدول عن الحقّ، فأراد تعالى أنّهم في الدنيا جاهلون، و في الآخرة عارفون؛ بحيث لا تنفعهم المعرفة. و يحتمل أن يريد تعالى باليوم يوم القيامة؛ و يعنى تعالى «بالضلال» العدول عن طريق الجنّة و دار الثواب إلى دار العقاب؛ فكأنّه قال: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ غير أنّهم مع معرفتهم هذه و علمهم يصيرون في هذا اليوم إلى العقاب؛ و يعدل بهم عن طريق الثواب.
و قد روي معنى هذا التأويل عن جماعة من المفسّرين فروي عن الحسن في قوله تعالى: أَسْمِعْ بِهِمْ وَ أَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنََا قال: يقول تعالى: هم يوم القيامة سمعاء بصراء؛ لكن الظالمون اليوم في الدنيا ليسوا سمعاء و بصراء؛ و لكنّهم في ضلال عن الدين مبين.
[١] سورة ق، الآية: ٢٢.