نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٧ - سورة طه
أَ لَمْ أَنْهَكُمََا عَنْ تِلْكُمَا اَلشَّجَرَةِ ؟ [١] و هذا يوجب بأنّه عليه السّلام عصى بأن فعل منهيا عنه و لم يعص بأن ترك مأمورا به.
قلنا: أما النهي و الأمر معا فليسا يختصّان عندنا بصيغة ليس فيها احتمال و لا اشتراك، و قد يؤمر عندنا بلفظ النهي و ينهى بلفظ الأمر، فإنّما يكون النهي نهيا بكراهة المنهّي عنه. فإذا قال تعالى: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ ، و لم يكره قربها، لم يكن في الحقيقة ناهيا، كما أنّه تعالى لمّا قال: اِعْمَلُوا مََا شِئْتُمْ [٢] وَ إِذََا حَلَلْتُمْ فَاصْطََادُوا [٣] ، و لم يرد ذلك، لم يكن أمرا. فإذا كان قد صحّ قوله وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ إرادة لترك التناول، فيجب أن يكون هذا القول أمرا، و إنّما سماه منهيا عنه، و يسمّى أمره له بأنّه نهي من حيث كان فيه معنى النهي؛ لأنّ[في]النهي ترغيبا في الامتناع من الفعل، و تزهيدا في الفعل نفسه. و لمّا كان الأمر ترغيبا في الفعل المأمور به و تزهيدا في تركه، جاز أن يسمّى نهيا.
و قد يتداخل هذان الوصفان في الشاهد فيقول أحدنا: «قد أمرت فلانا بأن لا يلقى الأمير» و إنّما يريد أنّه نهاه عن لقائه، و يقول: «نهيتك عن هجر زيد» و إنّما معناه أمرتك بمواصلته.
فإن قيل: ألاّ جعلتم النهي منقسما إلى منهي قبيح و منهي غير قبيح، بل يكون تركه أفضل من فعله، كما جعلتم الأمر منقسما إلى واجب و غير واجب؟
قلنا: الفرق بين الأمرين ظاهر؛ لأنّ انقسام المأمور به في الشاهد إلى واجب و غير واجب غير مدفوع، و لا خاف، و ليس يمكن أحدا أن يدفع أنّ في الأفعال الحسنة التي يستحقّ بها المدح و الثواب ما له صفة الوجوب، و فيها ما لا يكون كذلك، فإذا كان الواجب مشاركا للندب في تناول الارادة له و استحقاق الثواب و المدح به، فليس يفارقه إلاّ بكراهة الترك؛ لأنّ الواجب تركه مكروه و النفل ليس كذلك. فلو جعلنا الكراهة تتعلّق بالقبيح و غير القبيح من الحكيم
[١] سورة الأعراف، الآية: ٢٢.
[٢] سورة فصلت، الآية: ٤٠.
[٣] سورة المائدة، الآية: ٢.