نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٨ - سورة طه
تعالى، و كذلك النهي، كما جعلنا الأمر منه يتعلّق بالواجب و غير الواجب، لارتفع الفرق بين الواجب و الندب مع ثبوت الفصل بينهما في العقول.
فإن قيل: فما معنى حكايته تعالى عنهما قولهما: رَبَّنََا ظَلَمْنََا أَنْفُسَنََا [١] و قوله تعالى: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ [٢] ؟
قلنا: معناه أنّا نقصنا أنفسنا و بخسناها ما كنّا نستحقّه من الثواب بفعل ما أريد منا من الطاعة، و حرمناها الفائدة الجليلة من التعظيم من ذلك الثواب، و إن لم يكن مستحّقا قبل أن يفعل الطاعة الّتي يستحقّ بها، فهو في حكم المستحقّ، فيجوز أن يوصف بذلك من فوّت نفسه بأنّه ظالم لها، كما يوصف من فوّت نفسه المنافع المستحقّة. و هذا معنى قوله تعالى: فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ .
فإن قيل: فإذا لم تقع من آدم عليه السّلام على قولكم معصية، فلم أخرج من الجنّة على سبيل العقوبة و سلب لباسه على هذا الوجه لو لا أن الاخراج من الجنّة و سلب اللباس على سبيل الجزاء على الذنب، كما قال اللّه تعالى: فَوَسْوَسَ لَهُمَا اَلشَّيْطََانُ لِيُبْدِيَ لَهُمََا مََا وُورِيَ عَنْهُمََا مِنْ سَوْآتِهِمََا [٣] و قال تعالى في موضع آخر:
فَأَخْرَجَهُمََا مِمََّا كََانََا فِيهِ [٤] ؟
قلنا: نفس الاخراج من الجنة لا يكون عقابا؛ لأنّ سلب اللّذات و المنافع ليس بعقوبة، و إنّما العقوبة هي الضرب و الألم الواقعان على سبيل الاستخفاف و الاهانة، و كذلك نزع اللباس و إبداء السوأة، فلو كانت هذه الأمور ممّا يجوز أن تكون عقابا و يجوز أن يكون غيره لصرفناها عن باب العقاب إلى غيره، بدلالة أنّ العقاب لا يجوز أن يستحقّه الأنبياء عليهم السّلام. فإذا فعلنا ذلك فيما يجوز أن يكون واقعا على سبيل العقوبة، فهو أولى فيما لا يجوز أن يكون كذلك.
فإن قيل: فما وجه ذلك إن لم تكن عقوبة؟
قلنا: لا يمتنع أن يكون اللّه تعالى علم أن المصلحة تقتضي تبقية آدم عليه السّلام
[١] سورة الأعراف، الآية: ٢٣.
[٢] سورة البقرة: ٣٥، سورة الأعراف، الآية: ١٩.
[٣] سورة الأعراف، الآية: ٢٠.
[٤] سورة البقرة، الآية: ٣٦.
غ