نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٧ - سورة الأحزاب
فقال له: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ تبرّؤا ممّا ذكرناه و تنزّها، و أخفى في نفسه عزمه على نكاحها بعد طلاقه لها لينتهي إلى امر اللّه تعالى فيها. و يشهد بصحة هذا التأويل قوله تعالى: فَلَمََّا قَضىََ زَيْدٌ مِنْهََا وَطَراً زَوَّجْنََاكَهََا لِكَيْ لاََ يَكُونَ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوََاجِ أَدْعِيََائِهِمْ إِذََا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَ كََانَ أَمْرُ اَللََّهِ مَفْعُولاً [١] فدلّ على أن العلّة في أمره في نكاحها ما ذكرناه من نسخ السنّة المتقدّمة.
فإن قيل: العتاب باق على كلّ حال؛ لأنّه قد كان ينبغي أن يظهر ما أظمره و يخشى اللّه و لا يخشى الناس.
قلنا: أكثر ما في الآية إذا سلّمنا نهاية الاقتراح فيها أن يكون صلّى اللّه عليه و اله و سلّم فعل ما غيره أولى منه، و ليس يكون صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بترك الأولى عاصيا.
و ليس يمتنع على هذا الوجه أن يكون صبره على قذف المنافقين و إهوانه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بقولهم أفضل[له]و أكثر ثوابا، فيكون إبداء ما في نفسه أولى من إخفائه، على أنّه ليس في ظاهر الآية ما يقتضي العتاب، و لا ترك الأولى.
و أمّا إخباره بأنّه اخفى ما اللّه مبديه، فلا شيء فيه من الشبهة، و إنّما هو خبر محض.
و أما قوله وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ ففيه أدنى شبهة، و إن كان الظاهر لا يقتضي عند التحقيق ترك الأفضل؛ لأنّه أخبر أنّه يخشى الناس و أنّ اللّه أحقّ بالخشية، و لم يخبر أنّك لم تفعل الأحقّ و عدلت إلى الادون، و لو كان في الظاهر بعض الشبهة لوجب أن نتركه و نعدل عنه للقاطع من الأدلّة.
و قد قيل: إنّ زيد بن حارثة لمّا خاصم زوجته زينب بنت جحش-و هي ابنة عمّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم-و أشرف على طلاقها أضمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم أنّه إن طلقّها زيد تزوّجها من حيث كانت ابنة عمّته، و كان يحبّ ضمّها إلى نفسه كما يحبّ أحدنا ضمّ قراباته إليه، حتّى لا ينالهم بؤس و لا ضرر، فأخبر اللّه تعالى رسول
[١] سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.