نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٢ - سورة طه
يقدّر: لا تعجل بتلاوة القرآن؛ إمّا على سبيل الدرس و التحفّظ على ما ذكر في الوجه الأول، و[إمّا]أن يتلوه على أمّته قبل إنزال البيان[على الوجه الثاني].
و أيّ فرق في مخالفة الظاهر؛ بين أن يقدّر: و لا تعجل بتلاوة القرآن، أو يقدّر:
لا تعجل بطلب القرآن و استدعاء نزوله؟.
فإن قيل: هذا يدلّ على وقوع معصية من النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم في استدعائه ما لم يكن له أن يستدعيه من القرآن؛ لأنّ النهي لا يكون إلاّ عن قبيح.
قلنا: النهي لا يكون إلاّ عن قبيح لا محالة؛ لكنّ النهي لا يدلّ على وقوع الفعل المنهيّ عنه؛ لأنّه قد ينهى عن الفعل من لم يواقعه قطّ و لا يواقعه، ألا ترى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم نهي عن الشرك و سائر القبائح؛ كما نهينا، و لم يدلّ ذلك على وقوع شيء ممّا نهي عنه منه!.
و هذا أيضا يمكن أن يكون جوابا لمن اعتمد على الوجهين الأوّلين إذا قيل له: أفوقع منه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم تلاوة القرآن على أمّته قبل نزول بيانه، أو عجل بتكريره على سبيل الدرس كما نهي عنه؟.
و يمكن من اعتمد على الوجه الأوّل في تأويل الآية أن يقول في قوله تعالى: وَ لاََ تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ و إن كان ظاهره النهي ليس بنهي على الحقيقة؛ و قد يرد ما هو بلفظ النهي و هو غير نهي على التحقيق، كما يرد ما هو بصفة الأمر و ليس بأمر؛ و إنّما ذلك تخفيف عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و ترفيه، و رفع كلفة المشقّة، فقيل له صلّى اللّه عليه و اله و سلّم: لا تتكلّف المسابقة إلى تكرير ما ينزل عليك خوفا من أن تنساه؛ فإنّ اللّه تعالى يكفيك هذه المؤونة، و يعينك عن حفظه و ضبطه؛ كما قال تعالى في الآية الأخرى: إِنَّ عَلَيْنََا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ ؛ أي جمعه في حفظك و تأمورك [١] .
و بعد؛ فإنّ الأولى التوقّف عن معرفة غاية الكلام التي ينتهي إليها، و يقطع عليها. و التلاوة لما يرد منه الأوّل فالأوّل؛ تلاوة لما لا يعرف معناه؛ لتعلّق الكلام بعضه ببعض؛ فندب صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إلى الأولى من التوقّف على غايته.
[١] التأمور: القلب.
غ