نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٣ - سورة طه
و أمّا الوجه الثاني الذي اعتمد فيه على أنّ النهي إنّما هو عن تلاوته على الأمة قبل نزول بيانه؛ فإن كان المعتمد على ذلك يقول: ليس يمتنع أن تكون المصلحة في التوقّف عن الأداء قبيل البيان؛ فنهي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم عن ذلك؛ لأنّ المصلحة في خلافه؛ فهذا جائز لا مطعن فيه؛ و إن كان القصد إلى أنّ الخطاب لا يحسن إلاّ مع البيان؛ على مذهب من يرى أنّ البيان لا يتأخّر عن الخطاب؛ فذلك فاسد، لأنّ الصحيح أنّ البيان يجوز أن يتأخّر عن وقت الخطاب؛ و إنّما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة.
و قد بيّنّا الكلام في هذه المسألة، و الأدلّة على صحّة ما ذهبنا إليه منها في مواضع من كتبنا، و تكلّمنا على فساد قول من أوجب اقتران البيان بالخطاب، على أنّ من اعتمد على هذه الطريقة في هذا الموضع فقد غلط؛ لأنّ الآية تدلّ على أنّ اللّه تعالى قد خاطب نبيّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بما يحتاج إلى بيان من غير انضمام البيان إليه. و إذا جاز ذلك في خطابه تعالى لنبيه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم جاز مثله في خطاب النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم لأمته؛ لأنّ من أبطل تأخير البيان عن زمان الخطاب يوجب ذلك في كلّ خطاب.
و ليس يمكن أن يدّعى أنّه تعالى قد بيّن له؛ لأنّ تأويلهم يمنع من ذلك؛ لأنّه قيل له على هذا الوجه: لا تعجل بتلاوة القرآن على أمّتك قبل أن يقضى إليك وحيه؛ يعني قبل أن ينزل إليك بيانه؛ فالبيان متأخّر عنه على ذلك الوجه؛ و ذلك قبيح على مذهب من منع من تأخير البيان من وقت الخطاب.
و التأويل الذي ذكرناه زائدا على الوجهين المذكورين يمكن أن تفسّر به الآية الأخرى التي هي قوله تعالى: لاََ تُحَرِّكْ بِهِ لِسََانَكَ ، بطلب ما لم ينزل عليك من القرآن؛ فإنّ علينا إنزال ما تقتضي المصلحة إنزاله عليك و جمعه لك؛ و قوله تعالى: فَإِذََا قَرَأْنََاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) `ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنََا بَيََانَهُ (١٩) ، يدلّ ظاهره على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب؛ لأنّه تعالى أمره: إذا قرأ عليه الملك و أوحى به إليه أن يقرأه، ثمّ صرّح بأنّ البيان يأتي بعده؛ فإنّ «ثمّ» لا يكون إلاّ للتراخي، و ما هو مقترن بالشيء لا تستعمل فيه لفظة «ثمّ» ألا ترى أنّه لا يقال: أتاني زيد