نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٩٦ - سورة طه
و لا يعدّى به عن موضعه. و لو قيل: إنّه حقيقة في فاعل القبيح و تارك الأولى و الأفضل، و لم يجز إطلاقه أيضا في الأنبياء عليهم السّلام إلاّ مع التقييد؛ لأنّ استعماله قد كثر في القبائح، فإطلاقه بغير تقييد موهم، لكنا نقول: ان أردت بوصفهم بأنّهم عصاة أنّهم فعلوا القبائح، فلا يجوز ذلك، و إن أردت انّهم تركوا ما لو فعلوه استحقّوا الثواب و كان أولى، فهم كذلك.
فإن قيل: فأيّ معنى لقوله تعالى: ثُمَّ اِجْتَبََاهُ رَبُّهُ فَتََابَ عَلَيْهِ وَ هَدىََ [١] و أيّ معنى لقوله تعالى: فَتَلَقََّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمََاتٍ فَتََابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ [٢] فكيف تقبل توبة من لم يذنب؟أم كيف يتوب من لم يفعل القبيح؟
قلنا: أمّا التوبة في اللغة: الرجوع، و يستعمل في واحد منّا و في القديم تعالى. و الثاني: أنّ التوبة عندنا و على أصولنا فغير موجبة لاسقاط العقاب، و إنّما يسقط اللّه تعالى العقاب عندها تفضّلا، و الذي توجبه التوبة و تؤثّره هو استحقاق الثواب، فقبولها على هذا الوجه إنّما هو ضمان الثواب عليها. فمعنى قوله تعالى: «تاب عليه» أنّه قبل توبته و ضمن له ثوابها، و لا بدّ لمن ذهب إلى أنّ معصية آدم عليه السّلام صغيرة من هذا الجواب؛ لأنّه إذا قيل له: كيف تقبل توبته و تغفر له و معصيته قد وقعت في الأصل مكفّرة لا يستحقّ عليها شيئا من العقاب؟ لم يكن له بدّ من الرجوع إلى ما ذكرناه، و التوبة قد تحسن أن تقع ممّن لا يعهد من نفسه قبيحا على سبيل الانقطاع إلى اللّه تعالى و الرجوع إليه، و يكون وجه حسنها في هذا الموضع إستحقاق الثواب بها أو كونها لفظا، كما يحسن أن تقع ممّن يقطع على أنّه غير مستحقّ للعقاب، و أنّ التوبة لا تؤثّر في اسقاط شيء يستحقّه من العقاب، و لهذا جوّزوا التوبة من الصغائر و إن لم تكن مؤثّرة في إسقاط ذمّ و لا عقاب.
فإن قيل: الظاهر من القرآن بخلاف ما ذكرتموه؛ لأنّه أخبر أنّ آدم عليه السّلام منهي عن أكل الشجرة بقوله: وَ لاََ تَقْرَبََا هََذِهِ اَلشَّجَرَةَ فَتَكُونََا مِنَ اَلظََّالِمِينَ [٣] و بقوله:
[١] سورة طه، الآية: ١٢٢.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٣٧.
[٣] سورة البقرة، الآية: ٣٥.