نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٨ - سورة القيامة
على أنّ في أصحابنا من أنشد أبياتا يتضمّن تعليق النظر بالوجوه مع التعدية بـ «إلى» ، و المراد بها الانتظار، فمن ذلك قول الشاعر:
و يوما بذي قار رأيت وجوههم # إلى الموت من وقع السّيوف نواظرا
و قول الآخر:
وجوه يوم بدر ناظرات # إلى الرّحمان يأتي بالفلاح
فإن قيل: كما انّ تعليق الإدراك بالبصر يقتضي أن تكون الرؤية دون سائر ما تحتمله هذه اللفظة، فكذلك النظر إذا علّق بالوجه يجب أن يكون مفيدا للرؤية.
قلنا: الفرق بين الأمرين أنّ الإدراك إنّما وجب فيه متى علّق بالبصر أن يكون محمولا على الرؤية، من حيث علّق بما يختصّ بكونه آلة في الرؤية دون غيرها، و ليس كذلك الآية؛ لأنّ النظر لم يعلّق فيها بما يختصّ بكونه آلة في الرؤية من حيث لم تكن الوجه آلة في الرؤية، و ليس من حيث كانت العين و هي آلة الرؤية في الوجه تلحقه هذه التسمية، كما لم يجب أن تكون آلة في الشمّ لكون آلة الشمّ فيه؛ و لأنّ الوجوه المذكورة فيها لم ترد بها الجوارح، و إنّما كنى بها عن الحمل؛ و لأنّا لما ادّعينا ذلك في الإدراك استشهدنا عليه بالمتعارف في الخطاب، و ليس في شيء من الخطاب تعليق النظر على الوجوه.
ثمّ يقال لهم: أيجب حمل النظر المقرون بذكر الوجوه على الرؤية متى أريد بالوجوه الجوارح، أو إذا أريد بذلك ذو الوجوه؟
فإن قالوا: على الوجهين يجب أن يحمل على الرؤية كما يروا، بطل استشهادهم بقول القائل: «أنظر إليّ بوجهك» ، و بما يقوله في الإدراك إذا علّق بالبصر؛ لأنّ كلّ ذلك إنّما هو في الوجوه التي هي الجوارح.
فإن قالوا: يجب حمل ذلك على الرؤية متى أريد بالوجوه الجوارح.
قلنا لهم: فدلّوا على أنّ المراد بالوجوه في الآية الجوارح؛ فإنّا لا نسلّم ذلك لهم، و نقول: إنّ المراد بها ذو الوجوه، و بهذا جرت عادة العرب؛ لأنّهم يقولون: «هذا وجه الرائي» و «وجه الأمر» ، و قال اللّه تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلاََّ