نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٠ - سورة القيامة
فإن قالوا: لو كان النظر يحتمل الانتظار لصحّ أن يقال: «أنا منتظر إلى فلان» كما يقال: «أنا ناظر إليه» ؛ لأنّ معناهما إذا كان واحد فينبغي أن لا يختلف تصرّفهما؟
قيل لهم: لو منع هذا من أن يكون النظر يحتمل الانتظار، لمنع من احتماله للرؤية؛ لأنّ الرؤية؛ لا تعدّى بـ «إلى» كما يعدّى النظر. ألا ترى انّهم لا يقولون: «رأيت فلان» كما يقولون: «نظرت إليه» .
على أنّ ما هو معروف ضرورة من اللغة، [أنّه]لا يقدح فيه الاستنباط و الاستخراج، و أنّ النظر يحتمل الانتظار، و يعبّر به عنه، [و]أظهر من أن يبطل بمثل هذا الكلام.
على أنّ اللفظتين و إن اتّفقتا في المعنى و الفائدة، فغير منكر أن يختلف تصرّفهما، و لهذا نظائر كثيرة في اللغة، و منه قولهم: «فلان يحبّ فلانا» معناه أنّه يريد منافعه؛ لأنّ المحبّة هي الإرادة، و لا يسوغ أن يدلّ على هذا الوجه لفظ المحبّة بلفظ الإرادة، حتّى يقول: «فلان يريد فلانا» ، فصار في إحدى اللفظتين من التعارف ما ليس في الأخرى، و إن كان معناهما واحدا، و قد روي هذا الوجه في الآية [١] عن جماعة من الصحابة و التابعين من غير طريق.
و ليس لهم أن يقولوا: متى حملناها على الانتظار احتجنا أن نقدّر محذوفا؛ لأنّه تعالى لا يصحّ أن يكون منتظرا في نفسه، و إنّما منتظر ثوابه و عطائه، و إذا حملناها على الرؤية لم نحتج إلى تقدير محذوف، فتأويلكم يقتضي كون الآية مجازا و تأويلنا لا يقتضي ذلك.
و الجواب عنه: انّ العدول عن ظاهر الكلام واجب إذا اقتضى الدليل ذلك، و لمّا كان تعالى في نفسه لا يصحّ أن يكون مرئيا و لا منتظرا، وجب أن نقدّر ما يصحّ ذلك فيه، و ما عدلنا كلمة [٢] عن ظاهره من القرآن أكثر من أن يحصى.
[١] في الأصل: و قد روى هذا الوجه عن جماعة عن جماعة من غير طريق في الآية عن...
[٢] في الأصل: كلتا.