نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣١ - سورة القيامة
على أنّا لا نسلّم أنّ ذلك مجاز؛ لأنّ تعارف الخطاب في هذه اللفظة و استعمالها في الغالب مع الحذف بجعل المفهوم منها هو الحقيقة؛ لأنّهم يقولون: «انتظرت زيدا» ، «أنا منتظر فلانا» فيستعملون لفظ الانتظار مع حذف ما يتعلّق به على الحقيقة من الأفعال؛ لأنّ الانتظار لا يصحّ على ذات زيد، و إنّما يصحّ على أفعاله، و جرى مجرى لفظ «الملك» في قولهم: «فلان ملك داره و عبده» ، في أنّه و إن تعلّق محذوف فهو الحقيقة بالعرف، و هذا الاستعمال مع الحذف أظهر و أشهر من قولهم: «تملّك التصرّف في داره و عبده» .
و قد روي عن أمير المؤمنين-صلوات اللّه عليه و آله-و عن جماعة من أصحابه و التابعين، كابن عبّاس و مجاهد في هذه الآية وجه آخر، و هو أن يكون المراد أنّها ناظرة إلى ثواب ربّها؛ لأنّ الثواب ممّا يصحّ عليه الرؤية، فحذف ذكر الثواب كما حذف في قوله تعالى: وَ أَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى اَلْعَزِيزِ اَلْغَفََّارِ [١] و قوله: وَ جََاءَ رَبُّكَ [٢] و ما أشبه ذلك.
و ليس يمتنع أن يريد تعالى بالآية الوجهين معا، فيريد أنّها منتظر ثوابه و منتظر إليه و تعانيه مستبشرة به.
فإن قالوا: فكيف يوصف أهل الجنّة بالانتظار و المنتظر لا يكون نعمه خالصا، بل لا بدّ أن يكون مغموما منتقطا؟
قلنا لهم: إنّما يلحق الغمّ و التنقيص المنتظر متى كان ما ينتظره يحتاج إليه في الحال، و ملحقة بقوله: «ناظرة» و هو غير قاطع على الوصول إليه، فأمّا من ينتظر شيئا هو غير محتاج إليه في الحال، و هو واثق بوصوله إليه عند حاجته، فهو غير مغموم و لا متنقص، بل ذلك زائد في سروره و نعيمه.
و ليس لهم أن يقولوا: إنّ من قطع على حصول الشيء، لا يوصف بأنّه منتظر له!
و ذلك أنّ الانتظار هو توقّع ما يعلم أو يظنّ حصوله في المستقبل، و لا فرق
[١] سورة الغافر، الآية: ٤٢.
[٢] سورة الفجر، الآية: ٢٢.
غ