نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٩ - سورة الكهف
الذي ذكره اللّه تعالى؛ فإذا قال: إنّي صائر غدا إلى المسجد إن شاء اللّه فاستثنى في مصيره بمشيئة اللّه تعالى؛ أمن أن يكون خبره في هذا كذبا؛ لأنّ اللّه تعالى إن شاء أن يلجئه إلى المصير إلى المسجد غدا ألجأه إلى ذلك؛ و كان المصير منه لا محالة؛ فإذا كان ذلك على ما وصفنا لم يكن خبره هذا كذبا؛ و إن لم يوجد منه المصير إلى المسجد؛ لأنّه لم يوجد ما استثناه في ذلك من مشيئة اللّه تعالى» .
قال: «و ينبغي أن لا يستثني مشيئة دون مشيئة، لأنّه إن استثنى في ذلك مشيئة اللّه لمصيره إلى المسجد على وجه التعبّد، فهو أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنّ الإنسان قد يترك كثيرا ممّا يشاؤه اللّه تعالى منه و يتعبّده به، و لو كان استثناء مشيئة اللّه لأن يبقيه و يقدّره و يرفع عنه الموانع كان أيضا لا يأمن أن يكون خبره كذبا؛ لأنّه قد يجوز ألاّ يصير إلى المسجد مع تبقية اللّه تعالى له قادرا مختارا، فلا يأمن من الكذب في هذا الخبر دون أن يستثني المشيئة العامة التي ذكرناها، فإذا دخلت هذه المشيئة في الاستثناء فقد أمن أن يكون خبره كذبا إذا كانت هذه المشيئة متى وجدت وجب أن يدخل المسجد لا محالة» .
قال: «بمثل هذا الاستثناء يزول الحنث عمّن حلف فقال: و اللّه لأصيرنّ غدا إلى المسجد إن شاء اللّه، لأنّه إن استثنى على سبيل ما بيّنا لم يجز أن يحنث في يمينه، و لو خصّ استثناءه بمشيئة بعينها ثمّ كانت و لم يدخل معها إلى المسجد حنث في يمينه» .
و قال غير أبي عليّ: إن المشيئة المستثناة هاهنا هي مشيئة المنع و الحيلولة؛ فكأنّه قال: إن شاء اللّه يخلّيني و لا يمنعني.
و في الناس من قال: القصد بذلك أن يقف الكلام على جهة القطع و إن لم يلزم به ما كان يلزم لو لا الاستثناء، و لا ينوي في ذلك إلجاء و لا غيره؛ و هذا الوجه يحكى عن الحسن البصريّ.
و اعلم أنّ للاستثناء الداخل على الكلام وجوها مختلفة:
فقد يدخل على الأيمان و الطلاق و العتاق و سائر العقود و ما يجري مجراها من الأخبار، فإذا دخل ذلك اقتضى التوقيف عن إمضاء الكلام و المنع من لزوم