نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٨ - سورة الكهف
و هذا الجواب ذكره الفراء، و ما رأيته إلاّ له. و من العجب تغلغله إلى مثل هذا؛ مع أنّه لم يكن متظاهرا بالقول بالعدل. و على هذا الجواب لا شبهة في الآية، و لا سؤال للقوم علينا.
و في هذا الوجه ترجيح لغيره من حيث اتّبعنا فيه الظاهر، و لم نقدّر محذوفا، و كلّ جواب مطابق الظاهر و لم يبن على محذوف كان أولى.
و الجواب الآخر: أن نجعل «أن» متعلّقة بمحذوف؛ و يكون التقدير: و لا تقولنّ لشيء إنّي فاعل ذلك غدا إلاّ أن تقول: «إن شاء اللّه» لأنّ من عاداتهم إضمار القول في مثل هذا الموضع، و اختصار الكلام إذا طال و كان في الموجود منه دلالة على المفقود.
و على هذا الجواب يحتاج إلى الجواب عما سئلنا عنه، فنقول: هذا تأديب من اللّه تعالى لعباده، و تعليم لهم أن يعلّقوا ما يخبرون به بهذه اللفظة؛ حتى يخرج من حدّ القطع.
و لا شبهة في أنّ ذلك مختصّ بالطاعات، و أنّ الأفعال القبيحة خارجة عنه؛ لأنّ أحدا من المسلمين لا يستحسن أن يقول: إنّي أزني غدا إن شاء اللّه، أو أقتل مؤمنا، و كلّهم يمنع من ذلك أشدّ المنع؛ فعلم سقوط شبهة من ظنّ أنّ الآية عامة في جميع الأفعال.
و أمّا أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب فإنّه ذكر في تأويل هذه الآية ما نحن ذاكروه بعينه، قال: «إنّما عنى بذلك أنّ من كان لم يعلم أنّه يبقى إلى غد حيّا فلا يجوز أن يقول: إنّي سأفعل غدا و كذا و كذا، فيطلق الخبر بذلك و هو لا يدري، لعلّه سيموت و لا يفعل ما أخبر به؛ لأنّ هذا الخبر إذا[لم يوجد مخبره على ما أخبر به]فهو كذب؛ و إذا كان المخبر لا يأمن أن لا يوجد مخبره لحدوث أمر من فعل اللّه نحو الموت أو العجز أو بعض الأمراض، أو لا يحدث ذلك بأن يبدو له هو في ذلك، فلا يأمن من أن يكون خبره كذبا في معلوم اللّه عزّ و جلّ، و إذا لم يأمن ذلك لم يجز أن يخبر به؛ و لا يسلم خبره هذا من الكذب إلاّ بالاستثناء