نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤ - سورة الأسراء
كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنََا تَفْضِيلاً [١] ثمّ قال بعد ذلك: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ وَ أَضَلُّ سَبِيلاً [٢] يعني في هذه النعم، و عن هذه العبر، فهو في الآخرة أعمى؛ أي هو عمّا غيّب عنه من أمر الآخرة أعمى، و يكون قوله: فِي هََذِهِ كناية عن النّعم لا عن الدنيا و يقال: إن ابن عباس «رحمة اللّه عليه» سأله سائل عن هذه الآية فقال له: اتل ما قبلها، و نبّهه على التأويل الذي ذكرناه.
و الجواب الثاني: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ يعني الدنيا أَعْمىََ عن الإيمان باللّه و المعرفة بما أوجب اللّه عليه المعرفة به؛ فهو في الآخرة أعمى عن الجنّة و الثواب؛ بمعنى أنه لا يهتدي إلى طريقهما، و لا يوصل إليهما، أو عن الحجّة إذا سوئل و وقف، و معلوم أنّ من ضلّ عن معرفة اللّه تعالى و الإيمان به يكون يوم القيامة منقطع الحجة، مفقود المعاذير.
و الجواب الثالث: أن يكون العمى الأوّل عن المعرفة و الإيمان، و الثاني بمعنى المبالغة في الإخبار عن عظم ما يناله هؤلاء الكفار الجهّال باللّه من الخوف و الغم و الحزن الذي أزاله اللّه عن المؤمنين العارفين بقوله: لاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ [٣] ، و من عادة العرب أن تسمّى من اشتدّ همّه و قوي حزنه أعمى سخين العين، و يصفون المسرور بأنّه قرير العين، قال اللّه تعالى:
فَلاََ تَعْلَمُ نَفْسٌ مََا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزََاءً بِمََا كََانُوا يَعْمَلُونَ [٤] .
و الجواب الرابع: أنّ العمى الأوّل يكون عن الإيمان، و الثاني هو الآفة في العين على سبيل العقوبة؛ كما قال اللّه تعالى: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ أَعْمىََ (١٢٤) قََالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمىََ وَ قَدْ كُنْتُ بَصِيراً (١٢٥) `قََالَ كَذََلِكَ أَتَتْكَ آيََاتُنََا فَنَسِيتَهََا وَ كَذََلِكَ اَلْيَوْمَ تُنْسىََ (١٢٦) [٥] . و من يجيب بهذا الجواب يتأوّل قوله تعالى: كَمََا بَدَأْنََا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ على أنّ المعنى فيه الإخبار عن الاقتدار و عدم المشقّة في
[١] سورة الإسراء، الآية: ٧٠.
[٢] سورة الإسراء، الآية: ٧٢.
[٣] سورة يونس، الآية: ٦٢.
[٤] سورة السجدة، الآية: ١٧.
[٥] سورة طه، الآيات: ١٢٤-١٢٦.
غ