نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٤٨ - سورة محمّد
و العموم معرض للتخصيص، و نحن نخصّ هذا العموم ببعض ما تقدّم من أدلّتنا، على أنّ مخالفينا لا بدّ لهم من ترك هذا الظاهر في عروض التجارة؛ لأنّهم يضمرون في تناول هذا اللفظ لعروض التجارة أن يبلغ قيمتها نصاب الزكاة، و هذا ترك للظاهر و خروج عنه، و لا فرق بينهم فيه و بيننا إذا حملنا اللفظة في الآية على الأصناف التي أجمعنا على وجوب الزكاة فيها، و إذا قمنا في ذلك مقامهم -و هم المستدلون بالآية-بطل استدلالهم.
و بمثل هذا الكلام نبطل تعلّقهم بقوله تعالى: وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ [١] .
و يمكن في هذه الآية أن يقال: إنّها خرجت مخرج المدح لهم بما فعلوه، لا على سبيل إيجاب الحقّ في أموالهم؛ لأنّه تعالى قال: كََانُوا قَلِيلاً مِنَ اَللَّيْلِ مََا يَهْجَعُونَ (١٧) `وَ بِالْأَسْحََارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) `وَ فِي أَمْوََالِهِمْ حَقٌّ لِلسََّائِلِ وَ اَلْمَحْرُومِ (١٩) [٢] فأخرج الكلام كلّه مخرج المدح لهم بما فعلوه، و ليس في إيجاب اللّه تعالى في أموالهم حقا معلوما للسائل و المحروم مدحا لهم و لا ما يوجب الثناء عليهم، فعلم أنّ المعنى و يعطون من أموالهم حقا معلوما للسائل و المحروم، و ما يفعلونه من ذلك ليس بلازم أن يكون واجبا بل قد يكون نفلا و تطوعا، فقد يمدح الفاعل على ما يتطوّع به كما يمدح على فعل ما يجب عليه، و لا تعلّق لهم بقوله تعالى: وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ* ؛ لأنّ اسم الزكاة إسم شرعي و نحن لا نسلّم أنّ في عروض التجارة زكاة فيتناولها الاسم، فعلى من ادّعى ذلك أن يدلّ عليه. و لا تعلّق لهم بما روي عنه عليه السّلام من قوله: حصّنوا أموالكم بالصدقة [٣] ، و أنّ لفظة الأموال يدخل تحتها عروض التجارة، و ذلك أنّه ليس في الظاهر إنّما يحصّن كلّ مال بصدقة منه، و ليس يمتنع أن تحصّن أموال التجارة و ما لا يجب فيه الزكاة بالصدقة ممّا يجب فيه الزكاة [٤] .
[١] سورة الذاريات، الآية: ١٩.
[٢] سورة الذاريات، الآيات: ١٧-١٩.
[٣] عوالي اللئالي، ١: ٣٥٣.
[٤] الانتصار: ٧٨ و راجع أيضا الناصريات: ٢٧٥.