نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٣٨ - سورة فاطر
و تأوّل قوم هذه الآية على أنّ المراد من اختاره اللّه تعالى للتكليف، و توريث الكتاب من العقلاء البالغين، ثمّ قسّمهم الأقسام التي تليق بهم، من غير أن يكون المراد بالآية الأنبياء عليهم السّلام.
و هذا الجواب يفسد، لأنّ اللّه تعالى يقول: ثُمَّ أَوْرَثْنَا اَلْكِتََابَ اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا مِنْ عِبََادِنََا ، و من اصطفاه اللّه و اختاره و اجتناه بالإطلاق لا يكون إلاّ ممدوحا معظّما، فكيف يكون فيهم من يستحقّ الذمّ و العقاب؟و من يختار اللّه تكليفه شيئا مخصوصا لا يقال بالإطلاق إنّ اللّه تعالى اصطفاه. و المعتزلة أبدا تنكر على المرجئة تأويلهم قوله تعالى: وَ لاََ يَشْفَعُونَ إِلاََّ لِمَنِ اِرْتَضىََ [١] ، على أنّ المراد من ارتضى الشفاعة فيه، و يقولون: من ارتضى شيئا يتعلّق به لا يوصف بأنّه مرتضى على الإطلاق، فكيف يثبتونه هاهنا.
و وجدت أبا قاسم البلخيّ يقول في كتابه تفسير القرآن: «إنّه تعالى أراد العقلاء البالغين و يجوز أن يكونوا عند الاصطفاء أخيارا أتقياء ثمّ ظلم بعضهم نفسه» ؛ فيكون كما قال تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ [٢] ؛ و هو في وقت الارتداد غير مؤمن. كذلك يكون في حال ظلمه نفسه ليس من المصطفين» . قال: «و يجوز أيضا أن يكون فيهم من ظلم نفسه ثمّ تاب و أصلح؛ و يكون قوله: فَمِنْهُمْ ظََالِمٌ لِنَفْسِهِ أي منهم من كان قد ظلم نفسه؛ ليس أنّه في هذا الوقت ظالم لها» .
هذه ألفاظه بعينها حكيناها عنه؛ و هذا فاسد؛ لأنّ من كان منهم ظالما فاعلا للقبيح لا يوصفون على الإطلاق بأنّ اللّه تعالى اصطفاهم. فهذا الوصف يقتضي أن تكون الجماعة أخيارا. و قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ بخلاف هذا؛ لأنّ وصفهم بأنّهم آمنوا في الماضي لا يمنع من الردّه في المستقبل؛ و قوله تعالى: اَلَّذِينَ اِصْطَفَيْنََا يمنع أن يكون فيهم من ليست هذه صفته.
[١] سورة الأنبياء، الآية: ٢٨.
[٢] سورة المائدة، الآية: ٥٤.