نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٢ - سورة النّمل
و هذا يدلّ على أنّه ذو عقل يوجب التكليف له، و لو لا ذلك ما حسن هذا الوعيد العظيم على هذا الشرط و الترتيب.
و يدلّ على ذلك أيضا أنّ سليمان عليه السّلام أهلّه لحمل كتابه و الإعادة عليه بما يراه من القوم و ما يقولون بقوله: اِذْهَبْ بِكِتََابِي هََذََا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مََا ذََا يَرْجِعُونَ [١] و لو أمن أحدنا من يقصر عقله عن عقل المكلّفين على مثل هذا المهم العظيم لكان سفيها.
و قوله من قبل: أَحَطْتُ بِمََا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَ جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إلى قوله: وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ و ما في هذا القصص من جودة اعتباره و حسن تدبيره، كقوله: أَلاََّ يَسْجُدُوا لِلََّهِ اَلَّذِي يُخْرِجُ اَلْخَبْءَ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [٢] الآية.
فهل يسوغ الانصراف عن هذه الظواهر الغريبة بغير دلالة عقلية تحيل أن يعطي اللّه سبحانه العقل حيوانا مثله، و ما أولاه «كبت اللّه أعداءه» يذكر ما عنده في ذلك إن شاء اللّه.
الجواب:
إنّا قد كنّا ذكرنا في جواب المسائل الاولى الواردة في معنى ما حكي عن النملة و الهدهد ما قد عرف و وقف عليه. و نحن نجيب الآن عمّا في هذا السؤال المستأنف، و نزيل هذه الشبهة المعترضة، و أوّل ما نقوله:
إنّ في الناس من ذهب إلى أنّه لا يجوز أن يكون الهدهد و ما أشبهه من البهائم كامل العقل، و هو على ما هو عليه من الهيئة و البنية، و عدّ ذلك في جملة المستحيل و هذا ليس بصحيح[و]لا دلالة عقلية تدلّ على ذلك.
و من أين لنا أن بنية قلب الهدهد و ما جرى مجراه لا تحتمل العلوم التي هي كمال العقل، و إذا كان العقل من قبل [٣] العلوم و الاعتقادات، و قلب البهيمة يحتمل الاعتقادات لا محالة، بل كثيرا من العلوم و إن لم يكن تلك العلوم عقلا.
[١] سورة النمل، الآية: ٢٨.
[٢] سورة النمل، الآية: ٢٥.
[٣] كذا و الظاهر «قبيل» .