نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧ - سورة الأسراء
صحّت في أسودّ و أبيض و لو لا أنّه منقول لاعتلّت الواو، فقلت: عارت و حالت، كما قيل: خاف و هاب.
و حكى عن الفرّاء في ذلك جوابان:
أحدهما: أنّ «أفعل» في التعجّب فيه زيادة على وصف قبله إذا قال القائل أفضل و أجمل، فهو أزيد في الوصف من جميل و فاضل، و لم يقولوا: ما أبيض زيدا!لئلا يسقط التزيد، و لا يكون قبل أبيض وصف يزيد أبيض عليه، يخالف لفظه لفظه؛ كما خالف أفضل و أجمل فاضلا و جميلا، فلمّا فاتهم في أبيض و أحمر علم التزيد أدخلوا عليه ما تبين الزيادة فيه، و قالوا: ما أظهر حمرة زيد:
و ما أشدّ سواد عمرو!لأنّ «أظهر» يزيد على ظاهر، و «أشدّ» يزيد على شديد.
و الجواب الآخر: أنّ التعجب مبنيّ على زيادة يصلح أن يتقدّمها نقص و تقصير عن بلوغ التناهي، فقالوا: ما أعلم زيدا!ليدلّوا على زيادة علمه؛ لأنهم في قولهم: عالم و عليم لم يبلغوا في التناهي مبلغ «أعلم» ، و لم يقولوا: ما أبيض زيدا!لأنّ البياض لا تأتي منه زيادة بعد نقص، فعدلوا إلى التعجّب بأشدّ و أبين و ما جرى مجراهما، و هذا الجواب ليس بسديد؛ لأنّ الألوان قد تتأتّي فيها الزيادة بعد نقص، و قد تدخل فيها المفاضلة، ألا ترى أنّ ما حلّه قليل أجزاء البياض يكون أنقص حالا من البياض مما حلّه الكثير من الأجزاء!
و الجواب الأول الذي حكيناه عن الفراء أصوب، و إن كان ما قدّمناه عن البصريين هو المعتمد و قد أنشد بعضهم معترضا على ما ذكرناه قول الشاعر:
يا ليتني مثلك في البياض # أبيض من أخت بني إباض [١]
و أنشدوا أيضا قول الشاعر (٢) :
[١] البيت في اللسان (بيض) ، و روايته فيه:
جاريّة في درعها الفضفاض # أبيض من أخت بني إباض
و في حاشية بعض النسخ: «أبيض، بالرفع على تقدير: أنت أبيض، و بالفتح على أنه حال من أنا أو أنت. و إباض: اسم رجل» .