نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٦ - سورة الفتح
بِاللََّهِ وَ رَسُولِهِ وَ مََاتُوا وَ هُمْ فََاسِقُونَ (٨٤) `وَ لاََ تُعْجِبْكَ أَمْوََالُهُمْ وَ أَوْلاََدُهُمْ إِنَّمََا يُرِيدُ اَللََّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهََا فِي اَلدُّنْيََا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كََافِرُونَ (٨٥) [١] و اختلاف أحكامهم و صفاتهم يدلّ على اختلافهم لو أن المذكورين في آية سورة الفتح غير المذكورين في آية التوبة.
فأمّا قوله: «لأنّ أهل التأويل لم يقولوا في هذه الآية غير وجهين من التأويل» ذكرهما فباطل؛ لأنّ أهل التأويل قد ذكروا أشياء أخر لم يذكرها؛ لأن ابن المسيّب [٢] روى عن الضحاك في قوله تعالى: سَتُدْعَوْنَ إِلىََ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ [٣] الآية قال: هم ثقيف. و روى هيثم عن أبي بشير عن سعيد بن جبير قال: هم هوازن يوم حنين. و روى الواقدي عن معمر عن قتادة قال: هم هوازن و ثقيف [٤] فكيف ذكر من قول أهل التأويل ما يوافقه مع اختلاف الرواية عنهم، على أنا لا نرجع في كلّ ما يحتمله تأويل القرآن إلى أقوال المفسّرين، فإنهم ربّما تركوا ما يحتمله القول وجها صحيحا، و كم استخرج جماعة من أهل العدل في متشابه القرآن من الوجوه الصحيحة التي ظاهر التنزيل بها أشبه، و لها أشدّ احتمالا ما لم يسبق إليه المفسّرون و لا دخل في جملة تفسيرهم و تأويلهم؟
فأما الوجه الآخر: الذي نسلم فيه أن الداعي لهؤلاء المخلّفين هو غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، فنبيّن أيضا أنّه لا يمتنع أن يعني بهذا الدّاعي أمير المؤمنين عليه السّلام؛ لأنّه قد قاتل بعده أهل الجمل و صفين و أهل النهروان، و بشره النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم بأنّه يقاتلهم، و قد كانوا أولي بأس شديد بلا شبهة.
فأمّا تعلّق صاحب الكتاب بقوله: أَوْ يُسْلِمُونَ و إن الذين حاربهم أمير المؤمنين عليه السّلام كانوا مسلمين، فأوّل ما فيه أنّهم غير مسلمين عنده و عند أصحابه؛ لأن الكبائر تخرج من الاسلام عندهم كما تخرج عن الإيمان، إذ كان
[١] سورة التوبة، الآيات: ٨٣-٨٥.
[٢] هو أبو عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني من المفسّرين في القرن الثاني.
[٣] سورة الفتح، الآية: ١٦.
[٤] انظر تفسير الطبري، ٢٦: ١٠٧، ١٠٨.