نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٤ - سورة الفتح
و الوجه الثاني: أنا لا نعرف من الذين عناهم بذلك من بقي إلى أيام أمير المؤمنين عليه السّلام، كما علمنا أنهم كانوا باقين إلى أيام أبي بكر[فوجب بهذا أنّ الذي دعوا هؤلاء المخالفين إلى قتال قوم أولي بأس شديد هم أبو بكر و عمر] [١] .
يقال له: هذه الآية التي زعمت أن أبا علي اعتمدها، و استدل بها، فالغلط في تأويلها ظاهر، و قد ضم إلى الغلط في التأويل أيضا الغلط في التاريخ. و نحن نبيّن ما في ذلك.
و لنا في الكلام على هذه الآية وجهان.
أحدهما: أن ننازع في اقتضائها داعيا يدعو هؤلاء المخلّفين غير النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و نبيّن أنّ الداعي لهم فيما بعد كان الرّسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
و الوجه الآخر: أن نسلم أن الداعي غيره عليه السّلام، و نبيّن أنّه لم يكن أبو بكر و عمر على ما ظن أبو علي و أصحابه، بل كان أمير المؤمنين.
فأما الوجه الأول، فواضح؛ لأنّ قوله تعالى: سَيَقُولُ لَكَ اَلْمُخَلَّفُونَ مِنَ اَلْأَعْرََابِ شَغَلَتْنََا أَمْوََالُنََا وَ أَهْلُونََا فَاسْتَغْفِرْ لَنََا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مََا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً إِنْ أَرََادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرََادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كََانَ اَللََّهُ بِمََا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) `بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ اَلرَّسُولُ وَ اَلْمُؤْمِنُونَ إِلىََ أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَ زُيِّنَ ذََلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ اَلسَّوْءِ وَ كُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢) [٢] إنّما أراد به الذين تخلّفوا عن الحديبيّة بشهادة جميع أهل النقل و إطباق المفسّرين [٣] ثم قال تعالى:
سَيَقُولُ اَلْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلىََ مَغََانِمَ لِتَأْخُذُوهََا ذَرُونََا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونََا كَذََلِكُمْ قََالَ اَللََّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنََا بَلْ كََانُوا لاََ يَفْقَهُونَ إِلاََّ قَلِيلاً [٤] و إنّما التمس هؤلاء المخلّفون أن يخرجوا إلى غنيمة
[١] ما بين المعقوفتين من المغني.
[٢] سورة الفتح، الآيتان: ١١، ١٢.
[٣] انظر تفسير الطبري و تفسير الرازي و الكشّاف و التبيان ذيل الآية.
[٤] سورة الفتح، الآية: ١٥.