نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٢ - سورة القيامة
فيه بين العلم و الظنّ، و كيف يكون كذلك و قد حمل جماعة من الصحابة الآية على الانتظار، و ليس هم ممّن يخفى عليه حقيقة الانتظار، و قد قال اللّه تعالى:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ [١] ، و إنّما أراد به الانتظار الذي يصاحب العلم لا محالة.
و قد يمكن في الآية-على تسليم أنّ النظر فيها هو الرؤية-وجه آخر لا يفتقر فيه إلى تقدير محذوف يتعلّق بالرؤية، إذا حملناه على الرؤية، و إن حملنا النظر في الآية على الانتظار لم نحتج أيضا إلى تقدير محذوف، و هو أن نحمل قوله: إِلىََ رَبِّهََا على أنّ المراد به نعمة ربّها؛ لأنّ الآلاء [٢] النعم، و في واحدها لغات أربع يقال: إلى مثل أنا و إلى مثل معى [٣] ، إلى مثل إني [٤] و إلى مثل حلى [٥] .
قال أعشى بكر بن وائل:
أبيض لا يرهب الهزال، و لا # يقطع رحما، و لا يخون إلا [٦]
أراد لا يخون نعمة من أنعم عليه.
و إنّما أسقط التنوين من إِلىََ رَبِّهََا للإضافة، و هذا وجه قاطع للسيف [٧] .
و ليس لأحد أن يطعن على هذا الوجه أنّه مبتدع لم يسبق إليه أحد من المفسّرين و أهل التأويل!
و ذلك إنّ ما طريقه الاستنباط و الاستخراج، يجوز أن يقع للمتأخّر فيه ما لا يقع للمتقدّم، و إن كان الوجه جائزا صحيحا لم يضرّه ألاّ يسبق إليه.
على أنّه غير مسلّم أنّه لم يسبق إليه؛ لأنّ التأويلين المرويّين عن الصحابة
[١] سورة البقرة، الآية: ٢١٠.
[٢] الآلاء معناها النعم و مفردها إلى.
[٣] الأمعاء جمع معدة.
[٤] الإني: واحد الإناء.
[٥] في الأصل: حسى.
[٦] ديوانه، ١٥٥، لسان العرب (ألى) أبيض: كريم، الهزال كناية عن قلّة ذات اليد، و خيانة النعمة أن يبخل بها.
[٧] هكذا تقرأ الكلمة في الأصل.