نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٣ - سورة غافر
و لو سلّمنا تبرعا أن الشفاعة مشتركة بين إسقاط الضرر و زيادة النفع، لعلمنا أن شفاعة النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم إنّما هي في إسقاط العقاب بالخبر المروي عنه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم قال:
اذخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي [١] . و هذا خبر تلقته الأمّة كلّها بالقبول و إنّما اختلافهم في تأويله.
و ليس لأحد أن يقول: المراد بالخبر الشفاعة في زيادة النعم، و إنّما خصّ أهل الكبائر؛ و ذلك أن الشفاعة في زيادة النعم لا تخلو أن تكون بعد اقلاعهم و توبتهم من الكبائر أو قبل التوبة و الاقلاع، فإن كان الأوّل: فكيف يسمّيهم بأنهم أهل الكبائر، و هذا اسم ينبئ عن الذمّ و هم لا يستحقون بعد التوبة شيئا من الذم. فإذا قيل: لمن كان من أهل الكبائر، قلنا: هذا خلاف ظاهر الخطاب، و ان كان الوجه الثاني: فكيف يسأل النفع لمن لا يحصل [٢] إيصال النفع إليه، و مستحقّ العقاب من أهل الكبائر لا يجوز أن يوصل إليه في حال عقابه شيء من المنافع.
فإن قيل: لفظ «ادخرت شفاعتي» أو «أعددت شفاعتي لأهل الكبائر» و حال الإدخار غير حال وقوع الشفاعة، فما المنكر أن يكونوا موصوفين بالكبائر في أحوال الادخار و في حال وقوع الشفاعة، و هي حال الآخرة يكونون قد تابوا، فلا يستحقّون الوصف بذلك.
قلنا: أحوال الادخار هي كلّ حال لم يقع فيها الشفاعة، فإذا كان من يشفع فيه من أهل الكبائر لا بدّ أن يتوب قبل أن يفارق الدنيا، فهو بعد التوبة و قبل وقوع الشافعة لا يستحقّ الوصف بأنه من أهل الكبائر، و هذه كلّها من أحوال ادخار الشفاعة إلى وقت وقوعها، فقد بان كما تراه أن في بعض أحوال الادخار لا يستحقّ بالكبائر، و لفظ الخبر يقتضي ذلك.
و تعلّقهم في إبطال ما نذهب إليه من الشفاعة بقوله تعالى: مََا لِلظََّالِمِينَ مِنْ
[١] بهذا المضمون في التوحيد للصدوق ص ٤٠٧.
[٢] في م «لمن لا يحسن» .
غ