نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٠ - سورة النّمل
- حَتََّى إِذََا أَتَوْا عَلىََ وََادِ اَلنَّمْلِ قََالَتْ نَمْلَةٌ يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ [النمل: ١٨].
هذه المسألة تضمّنت الاعتراض على تأويلنا السابق فيما حكاه تعالى عن النملة و الهدهد بقوله.
أمّا الكلام فيما يخصّ الهدهد فقد استقصيناه في جواب المسائل الواردة في عامنا هذا، و أجبنا عن كلّ شبهة ذكرت فيه، و لا معنى لإعادته [١] .
فأمّا الاستبعاد في النملة أن تنذر باقي النمل بالانصراف عن الموضع، و التعجّب من فهم النملة عن الأخرى، و من أن يخبر عنها بما نطق القرآن به، من قوله: يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ وَ جُنُودُهُ وَ هُمْ لاََ يَشْعُرُونَ [٢] .
فهو في غير موضعه؛ لأنّ البهيمة قد تفهم عن الأخرى بصوت يقع منها، أو فعل كثيرا من أغراضها. و لهذا نجد الطيور و كثيرا من البهائم يدعو الذكر منها الأنثى بضرب من الصوت، يفرق بينه و بين غيره من الأصوات التي لا تقتضي الدعاء.
و الأمر في ضروب الحيوانات و فهم بعضا عن بعض مرادها و أغراضها بفعل يظهر أو صوت يقع، أظهر من أن يخفى، و التغابي عن ذلك مكابرة.
فما المنكر على هذا أن يفهم باقي النملة من تلك النملة التي حكي عنها ما حكى، الانذار و التخويف فقد نرى مرارا نملة تستقبل أخرى و هي متوجهة إلى جهة، فإذا حاذتها و باشرتها عادت عن جهتها و رجعت معها؟
و تلك الحكاية البليغة الطويلة لا تجب أن تكون النملة قائلة لها و لا ذاهبة إليها، و أنّهما لمّا خوّفت من الضرر الذي أشرف النمل عليه، جاز أن يقول الحاكي لهذه الحال تلك الحكاية البليغة المرتّبة؛ لأنّها لو كانت قائلة ناطقة و مخوّفة بلسان و بيان لما قالت إلاّ مثل ذلك.
[١] يعني بذلك جواب المسائل الطرابلسيات الأولى لكنّه مفقود و يأتي في تفسير الآية: ٢٢ الجواب عن اعتراض آخر أورد على ما أجاب به هناك فانتظر.
[٢] سورة النمل، الآية: ١٨.