نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٥ - سورة النّمل
و في هذه الأخبار التي أشرنا إليها أنّ بعض هذه الأجناس يعتقد الحقّ و يدين به، و بعضها يخالفه؛ و هذا كلّه مناف لظاهر ما العقلاء عليه.
و منها ما يشهد أنّ لهذه الأجناس منطقا مفهوما، و ألفاظا تفيد أغراضا، و أنّها بمنزلة الأعجميّ و العربيّ اللذين لا يفهم أحدهما صاحبه، و أنّ شاهد ذلك من قول اللّه سبحانه فيما حكاه عن سليمان عليه السّلام: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ عُلِّمْنََا مَنْطِقَ اَلطَّيْرِ وَ أُوتِينََا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هََذََا لَهُوَ اَلْفَضْلُ اَلْمُبِينُ [١] . و كلام النملة أيضا ممّا حكاه سبحانه، و كلام الهدهد و احتجاجه و جوابه و فهمه.
و الجواب: [قلنا: ]و باللّه التوفيق:
إعلم أنّ المعوّل فيما يعتقد على ما تدلّ الأدلّة عليه من نفي و إثبات؛ فإذا دلّت الأدلة على أمر من الأمور وجب أن نبني كلّ وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه؛ و نسوقه إليه، و نطابق بينه و بينه، و نجلّي ظاهرا إن كان له، و نشرط إن كان مطلقا، و نخصّه إن كان عامّا، و نفصّله إن كان مجملا؛ و نوفّق بينه و بين الأدلّة من كل طريق اقتضى الموافقة و آل إلى المطابقة؛ و إذا كنّا نفعل ذلك و لا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحّته، المعلوم وروده؛ فكيف نتوقّف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما؛ و لا تثمر يقينا!فمتى وردت عليك أخبار فأعرضها على هذه الجملة و ابنها عليها؛ و افعل فيها ما حكمت به الأدلّة، و أوجبته الحجج العقلية؛ و إن تعذّر فيها بناء و تأويل و تخريج و تنزيل؛ فليس غير الإطراح لها، و ترك التعريج عليها؛ و لو اقتصرنا على هذه الجملة لاكتفينا فيمن يتدبّر و يتفكّر.
و قد يجوز أن يكون المراد بذمّ هذه الأجناس من الطير أنّها ناطقة بضد الثناء على اللّه و بذمّ أوليائه، و نقص أصفيائه معناه ذمّ متّخذيها و مرتبطيها، و أنّ هؤلاء المغرين بمحبّة هذه الأجناس و اتّخاذها هم الذين ينطقون بضدّ الثناء على اللّه، و يذمّون أولياءه و أحبّاءه؛ فأضاف النطق إلى هذه الأجناس، و هو لمتّخذيها أو
[١] سورة النمل، الآية: ١٦.
غ