نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩ - سورة الأسراء
و أبيض من ماء الحديد كأنّه # شهاب بدا و اللّيل داج عساكره
[١] كأنّه قال: و أبيض كائن من ماء الحديد، و قوله: «من ماء الحديد» وصف لأبيض، و ليس يتّصل به كاتّصال «من» بأفضل في قولك: هو أفضل من زيد، و لفظة «من» في بيت المتنبّي مرفوعة الموضع، لأنّها وصف لأسود؛ و إذا أريد المفاضلة و التعجّب كانت منصوبة الموضع بأسود كما يقال: «زيد خير منك» ، فمنك في موضع نصب بخير، كأنّه قال: قد خارك بخيرك، أي فضلك في الخير؛ و هذا التأويل المذكور في بيت المتنبّي يمكن أن يقال في قول الشاعر:
أبيض من أخت بني إباض
و يحمل على أنّه أراد من جملتها و من قومها، و لم يرد التعجّب و تأوّله على هذا الوجه أولى من حمله على الشذوذ، فأمّا قول المتنبّي:
أبعد بعدت بياضا لا بياض له
فالمعنى الظاهر للناس فيه أنّه أراد: لا ضياء له و لا نور و لا إشراق، من حيث كان حلوله محزنا مؤذنا بتقضي الأجل؛ و هذا لعمري معنى ظاهر؛ إلاّ أنه يمكن فيه معنى آخر؛ و هو أنّه يريد إنّك بياض لا لون بعده، لأنّ البياض آخر ألوان الشعر، فجعل قوله: «لا بياض له» بمنزلة قوله: لا لون بعده، و إنّما سوّغ ذلك له أنّ البياض هو الآتي بعد السّواد، فلمّا نفى أن يكون للشيب بياض كان نفيا لأن يكون بعده لون.
و قد اختلف القراء في فتح الميم و كسرها من قوله تعالى: وَ مَنْ كََانَ فِي هََذِهِ أَعْمىََ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمىََ ، فقرأ ابن كثير و نافع و ابن عامر و أبو عمرو بفتح الميمين معا، و قرأ عاصم في رواية أبي بكر و حمزة و الكسائيّ بكسر الميم فيهما معا، و في رواية حفص عن عاصم: لا يكسرهما، و كسر أبو عمرو الأولى و فتح الأخيرة؛ و لكلّ وجه، أمّا من ترك إمالة الجميع؛ فإن قوله حسن، لأنّ كثيرا من
[١] البيت في شرح العكبري لبيت المتنبي، أورده من غير عزو.