نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٣ - سورة الصّافات
غير اللّه. فلو أفاد قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ نفس العمل الذي هو النحت دون المعمول فيه لكان له فائدة في الكلام؛ لأنّ القوم لم يكونوا يعبدون النحت؛ و إنّما كانوا يعبدون محل النحت؛ و لأنّه كان لا حظّ في الكلام للمنع من عبادة الأصنام.
فكذلك إن حمل قوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ من أعمال أخر ليست نحتهم، و لا هي ما عملوا فيه لكان أظهر في باب اللغو و العبث و البعد عن التعلّق بما تقدّم؛ فلم يبق إلاّ أنّه أراد: أنّه خلقكم و ما تعملون فيه النحت، فكيف تعبدون مخلوقا مثلكم!.
فإن قيل: لم زعمتم أنّه لو كان الأمر على ما ذكرناه لم يكن للقول الثاني حظّ في باب المنع من عبادة الأصنام!و ما تنكرون أن يكون لما ذكرناه وجه في المنع من ذلك؟[كما أنّ ما ذكرتموه]أيضا لو أريد لكان وجها؛ و هو أن من خلقنا و خلق الأفعال فينا لا يكون إلاّ الإله القديم، الذي تحقّ له العبادة، و غير القديم-كما يستحيل أن يخلقنا-يستحيل أن يخلق فينا الافعال على الوجه الذي يخلقها القديم تعالى؛ فصار لما ذكرناه تأثير.
قلنا: معلوم أنّ الثاني إذا كان كالتعليل للأوّل و المؤثر في المنع من العبادة فلئن يتضمّن أنّكم مخلوقون و ما تعبدونه أولى من أن ينصرف إلى ما ذكرتموه ممّا لا يقتضي أكثر من خلقهم دون خلق ما عبدوه؛ و أنّه لا شيء أدلّ على المنع من عبادة الأصنام من كونها مخلوقة كما أنّ عابدها مخلوق.
و يشهد لما ذكرناه قوله تعالى في موضع آخر: أَ يُشْرِكُونَ مََا لاََ يَخْلُقُ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) `وَ لاََ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَ لاََ أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) [١] فاحتج تعالى عليهم في المنع من عبادة الآلهة دونه بأنّها مخلوقة لا تخلق شيئا، و لا تدفع عن أنفسها ضرّا و لا عنهم؛ و هذا واضح.
على أنّه لو ساوى ما ذكروه ما ذكرناه في التعلّق بالأوّل لم يسغ حمله على ما ادّعوه؛ لأنّ فيه عذرا لهم في الفعل الذي عنّفوا و قرّعوا من أجله؛ و قبيح أن يوبّخهم بما يعذرهم و يذمّهم ممّا يبرئهم على ما تقدّم.
[١] سورة الأعراف، الآيتان: ١٩١، ١٩٢.