نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٢ - سورة الصّافات
العمل في الحقيقة لا يجري إلاّ على فعل الفاعل دون ما يفعل فيه؛ و إن استعير في بعض المواضع.
قلنا: ليس نسلّم لكم أنّ الاستعمال الذي ذكرناه على سبيل المجاز؛ بل نقول: هو المفهوم الذي لا يستفاد سواه، لأنّ القائل إذا قال: هذا الثوب عمل فلان لم يفهم منه إلاّ أنّه عمل فيه، و ما رأينا أحدا قط يقول في الثوب بدلا من قوله: هذا من عمل فلان: هذا ممّا حلّه عمل فلان؛ فالأوّل أولى بأن يكون حقيقة.
و ليس ينكر أن يكون الأصل في الحقيقة ما ذكروه، ثمّ انتقل ذلك بعرف الاستعمال إلى ما ذكرناه؛ و صار أخصّ به، و ممّا لا يستفاد من الكلام سواه؛ كما انتقلت ألفاظ كثيرة على هذا الحدّ و الاعتبار في المفهوم من الألفاظ إلاّ ما يستقرّ عليه استعمالها دون ما كانت عليه في الأصل؛ فوجب أن يكون المفهوم و الظاهر من الآية ما ذكرناه.
على أنّا لو سلّمنا أنّ ذلك مجاز لوجب المصير إليه من وجوه:
منها: ما يشهد به ظاهر الآية و يقتضيه، و لا يسوغ سواه.
و منها: ما تقتضيه الأدلة القاطعة الخارجة عن الآية؛ فمن ذلك أنّه تعالى أخرج الكلام مخرج التهجين لهم، و التوبيخ لأفعالهم و الإزراء على مذاهبهم، فقال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و متى لم يكن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ المراد تَعْمَلُونَ فيه؛ ليصير تقدير الكلام: أتعبدون الأصنام التي تنحتونها، و اللّه خلقكم و خلق هذه الأصنام التي تفعلون بها التخطيط و التصوير؛ لم يكن للكلام معنى، و لا مدخل في باب التوبيخ. و يصير على ما يذكره المخالف كأنّه قال: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و اللّه خلقكم و خلق عبادتكم؛ فأيّ وجه للتقريع!و هذا إلى أن يكون عذرا أقرب من يكون لوما و توبيخا؛ إذا خلق عبادتهم للأصنام؛ فأيّ وجه للومهم عليها و تقريعهم بها!على أنّ قوله عزّ و جلّ: خَلَقَكُمْ وَ مََا تَعْمَلُونَ بعد قوله:
أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ خرج مخرج التعليل للمنع من عبادة غيره تعالى؛ فلا بدّ أن يكون متعلّقا بما تقدّم من قوله: أَ تَعْبُدُونَ مََا تَنْحِتُونَ و مؤثّرا في المنع من عبادة