نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٥٤ - سورة الصّافات
على أنّا لا نسلّم أن من يفعل أفعال العباد و يخلقها يستحقّ العبادة؛ لأنّ من جملة أفعالهم القبائح، و من فعل القبائح لا يكون إلها، و لا تحقّ له العبادة؛ فخرج ما ذكروه من أن يكون مؤثّرا بانفراده في العبادة.
على أنّ إضافته العمل إليهم بقوله: تَعْمَلُونَ يبطل تأويلهم الآية؛ لأنّه لو كان تعالى خالقا له لم يكن عملا لهم؛ لأنّ العمل إنّما يكون لمن يحدثه و يوجده، فكيف يكون عملا لهم و اللّه خلقه!و هذه مناقضة، فثبت بهذا أنّ الظاهر شاهد لنا أيضا.
على أن قوله: وَ مََا تَعْمَلُونَ يقتضي الاستقبال؛ و كلّ فعل لم يوجد فهو معدوم؛ و محال أن يقول تعالى: إنّي خالق للمعدوم!.
فإن قالوا: اللفظ و إن كان للاستقبال فالمراد به المضيّ؛ فكأنّه قال: و اللّه خلقكم و ما عملتم!.
قلنا: هذا عدول منكم عن الظاهر الذي ادّعيتم أنّكم متمسكون به؛ و ليس أنتم بأن تعدلوا عنه بأولى منا؛ بل نحن أحقّ؛ لأنّا نعدل عنه لدلالة؛ و أنتم تعدلون بغير حجّة.
فإن قالوا: فأنتم أيضا تعدلون عن هذا الظاهر بعينه على تأويلكم، و تحملون لفظ الاستقبال على لفظ الماضي.
قلنا: لا نحتاج نحن في تأويلنا إلى ذلك؛ لأنّا إذا حملنا قوله تعالى: وَ مََا تَعْمَلُونَ على الأصنام المعمول فيها-و معلوم أنّ الأصنام موجودة قبل عملهم فيها-فجاز أن يقول تعالى: إنّي خلقتها؛ و لا يجوز أن يقول: إنّي خلقت ما سيقع من العمل في المستقبل.
على أنّه تعالى لو أراد بذلك أعمالهم؛ لا ما عملوا فيه على ما ادّعوه لم يكن في الظاهر حجّة على ما يريدون؛ لأنّ الخلق هو التقدير و التدبير؛ و ليس يمتنع في اللغة أن يكون الخالق خالقا لفعل غيره إذا قدّره و دبّره؛ ألا ترى أنّهم يقولون: خلقت الأديم؛ و إن لم يكن الأديم فعلا لمن يقول ذلك فيه!و يكون