نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨١ - سورة الزّمر
المباشرة في المنام؟. و إن كان فيها صحيح و باطل فما السبيل إلى تمييز أحدهما من الآخر؟.
الجواب و باللّه التوفيق:
اعلم أن النائم غير كامل العقل؛ لأن النوم ضرب من السهو، و السهو ينفي العلوم، و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله و فقد علومه و جميع المنامات إنّما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، و لا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه في نفسه؛ لأن من عداه من المحدثين-سواء كان بشرا أو ملائكة أو جنّا -أجسام، و الجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا، بل ابتداءا. و لا شيئا من الأجناس على هذا الوجه، و إنّما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء.
و إنّما قلنا أنه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولّدا؛ لأن الّذي يعدي الفعل من محلّ القدرة إلى غيرها من الأسباب إنّما هو الاعتمادات، و ليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات. و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولّد فيه شيء من الاعتقادات. و قد بين ذلك و شرح في مواضع كثيرة. و القديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. و لا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا؛ لأن أكثر اعتقاد النائم جهل و تناول الشيء على خلاف ما هو به؛ لأنه يعتقد أنه يرى و يمشي و أنه راكب و على صفات كثيرة، و كلّ ذلك على خلاف ما هو به، و هو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق إلاّ أن الاعتقادات كلّها من جهة النائم.
و قد ذكر في المقالات أن المعروف بـ (صالح قبة) كان يذهب إلى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة. و هذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائية؛ لأن النائم يرى أن رأسه مقطوع، و أنه قد مات، و أنه قد صعد إلى السماء. و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كلّه.
و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء و في المردي إذا كان في الماء أنه مكسور و هو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة و اللبس و إلاّ جاز ذلك في النائم، و هو من الكمال أبعد و إلى النقص أقرب.