نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٣ - سورة الحاقة
و ليس لهم أن يقولوا: إن الشبهات لا تعرض في دار الآخرة بمعاينة تلك الآيات و الأحوال؛ لأن ذلك كلّه لا يمنع من تطرق الشبهة، و أن تكون المعرفة مكتسبة، كما لا يمنع معاينة المعجزات و ظهور خرق العادات في الدنيا من اكتساب المعرفة و تطرق الشبهة، و ان قلّت أو كثرت.
و لا يجوز أن يكون الالجاء إلى المعرفة؛ لأن الإلجاء إلى أفعال القلوب الّتي تخفى عن غير اللّه تعالى لا يجوز أن يكون إلاّ من اللّه تعالى، و إذا وجب أن يكون الملجأ إلى العلم عارفا باللّه تعالى، فقد استغنى بتقدّم المعرفة حقّ الإلجاء إليها.
و قد قيل: إنّما يلجأ إلى العلم، بأن يعلم أنه ميت حاول اعتقاد غيره منع منه فقد أمر على الاعتقاد الّذي وصفنا حاله، لا يكون له الاعتقاد علما؛ لأنه ليس من الوجوه المذكورة الّتي يكون لها الاعتقاد علما، كالنظر و تذكر الدليل و غيرهما، و إذا بطلت الأقسام الّتي قسمناها [١] وجب كون معارفهم ضروريّة.
و اعلم أن أهل الآخرة أن يكونوا مضطرّين إلى أفعالهم-على ما ذهب إليه أبو الهذيل؛ لأن الاضطرار في الأفعال ينقص من لذّتها-فالتخيير فيها أبلغ في اللّذة و السرور؛ لأنّ اللّه تعالى إنّما رغّب في وصول الثواب إلينا في الآخرة على الوجه المأوّل المعروف في الدنيا، و إنّما يكون ذلك على وجه التخيير.
و هذا الوجه و ان لم يستمرّ في أهل النار و لا في جمع أهل الموقف، فبالإجماع نعلم تساوي الجميع في هذا الحكم؛ لأن الناس بين قائلين: فقائل ذهب إلى الضرورة و يعمّ بها على جميع أهل الآخرة، و الآخر يذهب إلى الاختيار فيعمّهم به أيضا.
و إذا تأملت القرآن وجدته دالاّ على أن أهل الآخرة متخيّرون لأفعالهم؛ لأنه تعالى أضاف إليهم الأفعال، فقال تعالى: يَأْكُلُونَ* و يَشْرَبُونَ و يَفْعَلُونَ* ، و ذلك يقتضي أنها أفعال لهم لا ضرورة فيه، و قوله تعالى: وَ فََاكِهَةٍ مِمََّا يَتَخَيَّرُونَ [٢] صريح في أنهم مختارون.
[١] في النسختين «قسماها» .
[٢] سورة الواقعة، الآية: ٢٠.