نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦ - سورة الأسراء
لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من الأمثال و ذلك غير مقدور على الحقيقة، و لا مستطاع.
و الظاهر بهذا الوجه أولى؛ لأنّه تعالى حكى أنّهم ضربوا له الأمثال، و جعل ضلالهم و أنّهم لا يستطيعون السبيل متعلّقا بما تقدّم ذكره. و ظاهر ذلك يوجب رجوع الأمرين جميعا إليه، و أنّهم ضلّوا بضرب المثل، و أنّهم لا يستطيعون سبيلا إلى تحقيق ما ضربوه من المثل؛ على أنّه تعالى أخبر عنهم بأنّهم ضلّوا، و ظاهر ذلك الإخبار عن ماضي فعلهم.
فإن كان قوله تعالى: فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً يرجع إليه، فيجب أن يدلّ على أنّهم لا يقدرون على ترك الماضي؛ و هذا ممّا لا نخالف فيه[و ليس فيه ما نأباه] من أنّهم لا يقدرون في المستقبل أو في الحال على مفارقة الضلال و الخروج عنه بعد تركه.
و بعد؛ فإذا لم يكن للآية ظاهر، فلم صاروا بأن يحملوا نفي الاستطاعة على أمر كلّفوه أولى منا إذا حملنا ذلك على أمر لم يكلّفوه، أو على أنّه أراد الاستثقال و الخبر عن عظم المشقّة عليهم.
و قد جرت عادة أهل اللغة بأن يقولوا لمن يستثقل شيئا: إنّه لا يستطيعه، و لا يقدر عليه و لا يتمكّن منه؛ ألا ترى أنّهم يقولون: فلان لا يستطيع أن يكلّم فلانا، و لا ينظر إليه، و ما أشبه ذلك، و إنّما غرضهم الاستثقال و شدّة الكلفة و المشقّة.
فإن قيل: فإذا كان لا ظاهر للآية يشهد بمذهب المخالف، فما المراد بها عندكم؟
قلنا: قد ذكر أبو عليّ أنّ المراد أنّهم لا يستطيعون إلى بيان تكذيبه سبيلا، لأنّه ضربوا الأمثال؛ ظنّا منهم بأنّ ذلك يبيّن كذبه، فأخبر تعالى أنّ ذلك غير مستطاع؛ لأنّه تكذيب صادق، و إبطال حقّ ممّا لا يتعلّق به قدرة، و لا تتناوله استطاعة. غ