نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧ - سورة الأسراء
و قد ذكر أبو هاشم أنّ المراد بالآية أنّهم لأجل ضلالهم بضرب الأمثال و كفرهم لا يستطيعون سبيلا إلى الخير الذي هو النجاة من العقاب و الوصول إلى الثواب.
و ليس يمكن على هذا أن يقال: كيف لا يستطيعون سبيلا إلى الخير و الهدى، و هم عندكم قادرون على الإيمان و التوبة؟و متى فعلوا ذلك استحقّوا الثواب؛ لأنّ المراد أنّهم مع التمسّك بالضلال و المقام على الكفر لا سبيل لهم إلى خير و هدى؛ و إنّما يكون لهم سبيل إلى ذلك بأن يفارقوا ما هم عليه.
و قد يمكن أيضا في معنى الآية ما تقدّم ذكره من أنّ المراد بنفي الاستطاعة عنهم أنّهم مستثقلون للإيمان؛ و قد يخبر عمّن استثقلّ شيئا بأنّه لا يستطيعه على ما تقدّم ذكره.
فأمّا قوله تعالى في قصة موسى عليه السّلام: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً فظاهره يقتضي أنّك لا تستطيع ذلك في المستقبل؛ و لا يدلّ على أنّه غير مستطيع للصبر في الحال و أن يفعله في الثاني.
و قد يجوز أن يخرج في المستقبل من أن يستطيع ما هو في الحال مستطيع له؛ غير أنّ الآية تقتضي خلاف ذلك؛ لأنّه قد صبر على المسألة أوقاتا؛ و لم يصبر عنها في جميع الأوقات، فلم تنتف الاستطاعة للصبر عنه في جميع الأوقات المستقبلة.
على أنّ المراد بذلك واضح، و أنّه خبّر عن استثقاله الصبر عن المسألة عمّا لا يعرف و لا يقف عليه؛ لأنّ مثل ذلك يصعب على النفس؛ و لهذا نجد أحدنا إذا وجد بين يديه ما ينكره و يستبعده تنازعه نفسه إلى المسألة عنه، و البحث عن حقيقته، و يثقل عليه الكفّ عن الفحص عن أمره؛ فلمّا حدث من صاحب موسى عليه السّلام ما يستنكر ظاهره استثقل الصبر عن المسألة عن ذلك.
و يشهد بهذا الوجه قوله تعالى: وَ كَيْفَ تَصْبِرُ عَلىََ مََا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً [١] ؛ فبيّن
[١] سورة الكهف، الآية: ٦٨.