نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢٤ - سورة الشّورى
و روي عن مجاهد في قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً قال: هو داود أوحي في صدره فزبر الزّبور، «أو من وراء حجاب» و هو موسى، «أو يرسل رسولا» و هو جبريل إلى محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم.
فأمّا الجبّائيّ فإنّه ذكر أنّ المراد بالآية: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إلاّ مثل ما يكلّم به عباده من الأمر بطاعته، و النهي لهم عن معاصيه، و تنبيهه إيّاهم على ذلك من جهة الخاطر أو المنام، أو ما أشبه ذلك على سبيل الوحي.
قال: و إنّما سمي اللّه ذلك وحيا لأنّه خاطر و تنبيه، و ليس هو كلاما لهم على سبيل الإفصاح، كما يفصح الرجل منّا لصاحبه إذا خاطبه. و الوحي في اللغة إنّما هو ما جرى مجرى الإيماء و التنبيه على شيء من غير أن يفصح به؛ فهذا هو معنى ما ذكره اللّه تعالى في الآية.
قال: و عنى بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أي يحجب ذلك الكلام عن جميع خلقه، إلاّ من يريد أن يكلّمه به؛ نحو كلامه لموسى عليه السّلام، لأنّه حجب ذلك عن جميع الخلق إلاّ موسى عليه السّلام وحده في كلامه إياه أوّلا فأمّا كلامه إيّاه في المرّة الثانية فإنّه إنّما أسمع ذلك موسى عليه السّلام و السبعين الذين كانوا معه، و حجب عن جميع الخلق سواهم. فهذا معنى قوله عزّ و جلّ: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ ، لأنّ الكلام هو الذي كان محجوبا عن الناس.
و قد يقال: إنّه تعالى حجب عنهم موضع الكلام الذي أقام الكلام فيه؛ فلم يكونوا يدرون من أين يسمعونه؛ لأنّ الكلام عرض لا يقوم إلاّ في جسم.
و لا يجوز أن يكون أراد بقوله: أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أنّ اللّه تعالى كان مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ يكلّم عباده؛ لأنّ الحجاب لا يجوز إلاّ على الأجسام المحدودة.
قال: و عنى بقوله: أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ إرساله ملائكة بكتبه و كلامه إلى أنبيائه عليهم السّلام، ليبلّغوا عنه ذلك عباده على سبيل إنزاله القرآن على محمد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم، و إنزاله سائر الكتب على أنبيائه؛ فهذا أيضا ضرب من الكلام الذي يكلّم اللّه تعالى عباده و يأمرهم فيه بطاعته، و ينهاهم عن معاصيه؛ من غير