نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٤٨ - سورة التّكوير
قلنا: ليس في ظاهر الآية ألاّ نشاء إلاّ ما شاءه اللّه تعالى في حال مشيئتنا كما ظننتم؛ و إنّما يقتضي حصول مشيئته لما نشاؤه من الاستقامة من غير ذكر لتقدّم و لا تأخّر؛ و يجري ذلك مجرى قول القائل: ما يدخل زيد هذه الدار إلاّ أن يدخلها عمرو؛ و نحن نعلم أنّه غير واجب بهذا الكلام أن يكون دخولهما في حالة واحدة؛ بل لا يمتنع أن يتقدّم دخول عمرو، و يتلوه دخول زيد، و «أن» الخفيفة و إن كانت للاستقبال على ما ذكروه، فلم يبطل على تأويلنا معنى الاستقبال فيها؛ لأنّ تقدير الكلام: و ما تشاؤون الطاعات إلاّ بعد أن يشاء اللّه تعالى، و مشيئته تعالى قد كانت لها حال الاستقبال.
و قد ذهب أبو عليّ محمد بن عبد الوهاب الجبّائيّ إلى أنه لا يمتنع أن يريد تعالى الطاعات حالا بعد حال؛ و إن كان قد أرادها في حال الأمر، كما يصحّ أن يأمر بها أمرا بعد أمر؛ قال: لأنّه قد يصحّ أن يتعلّق بإرادته ذلك منّا بعد الأمر و في حال الفعل مصلحة؛ و يعلم تعالى أنّا نكون متى علمنا ذلك كنّا إلى فعل الطاعات أقرب، و على هذا المذهب لا يعترض بما ذكروه.
و الجواب الأول واضح إذا لم نذهب إلى مذهب أبي عليّ في هذا الباب؛ على أنّ اقتضاء الآية للاستقبال من أوضح دليل على فساد قولهم؛ لأنّ الكلام إذا اقتضى حدوث المشيئة و استقبالها بطل قول من قال منهم: إنّه مريد لنفسه، أو مريد بإرادة قديمة، و صحّ ما نقوله من إنّ إرادته متجدّده محدثة.
و يمكن في تأويل الآية وجه آخر مع حملنا إيّاها على العموم؛ من غير أن نخصّها بما تقدّم ذكره من الاستقامة؛ و يكون المعنى: و ما تشاؤون شيئا من فعالكم إلاّ أن يشاء اللّه تمكينكم من مشيئته، و إقداركم عليها و التخلية بينكم و بينها؛ و تكون الفائدة في ذلك الإخبار عن الافتقار إلى اللّه تعالى؛ و أنّه لا قدرة للعبد على ما لم يقدّره اللّه تعالى عزّ و جلّ، و ليس يجب عليه أن يستبعد هذا الوجه؛ لأنّ ما تتعلّق به المشيئة في الآية محذوف غير مذكور؛ و ليس لهم أن