نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣١٦ - سورة غافر
التخيير و الايثار، و هو النصرة بإقامة الأدلّة و نصب البراهين و الأمر بنصرتهم و الجهاد دونهم و الطاعة لهم و الذبّ عنهم و المنع بالنهي عن مخالفتهم و الموالاة لأعدائهم، و هذا ممّا قد فعل اللّه تعالى منه الغاية التي لا يبلغها شيء و لا يدركها طلب.
فإن قال: فقد ظهر من أئمتكم الدعاء على من ظلمهم و غصب حقّهم و جحدهم مقامهم، و نال منهم بالقتل و الأذى، فلم يستجب اللّه لهم و لم يسمع دعاءهم، و في ذلك وهن لهم و حطّ من قدرهم و تنفير عنهم.
قيل له: ليس الأمر كما ظننت في دعائهم عليهم السّلام لو اجتهدوا في الدعاء و الطلب و سألوا اللّه تعالى هلاك الارض و من عليها لأجيبوا، بل كانوا عليهم السّلام عارفين بالدنيا و صغر قدرها بالإضافة إلى ما أعدّ اللّه لهم في الأخرة، فلم يكن لها عندهم محلّ و لا بشيء منها في نفوسهم وزن.
و كيف لا يكونوا كذلك؟مع علمهم باللّه جلّ و علا، و ما أعدّ لأوليائه من الثواب و لأعدائه من العقاب، و أنّهم من أشرف أوليائه الذين اجتباهم و اصطفاهم، و جعلهم الواسطة بينه و بين خلقه، و الأمناء عليهم، و الحفّاظ لدينهم، فهم القدوة، و إليهم المفزع من سائر البشر، و أنّ أعداءهم أعداء اللّه الذين لعنهم و غضب عليهم و أعدّ لهم أعظم العقاب و أشدّ العذاب.
فقلوبهم مملوّة بالمعرفة لخالقهم، و ما يقرّب إليه و يزلف لديه من الطاعة له و الخوف من مخالفته، و القيام بعباداته. ليس سوى ذلك فيها مكان، و لا لغير ما يثمر الفوز و النجاة عليها مجال، و لذلك وجب الحكم بعصمتهم و نزاهتهم و طهارتهم، حتى قال تعالى فيهم: وَ لَقَدِ اِخْتَرْنََاهُمْ عَلىََ عِلْمٍ عَلَى اَلْعََالَمِينَ [١] .
فإذا ثبت هذا من حالهم، كان الدعاء منهم يحتمل أمورا:
منها: تعليم أممهم و رعاياهم كيف يدعون و يسألون إذا نابتهم النوائب و نزلت بهم الشدائد، و لا يقصدون بذلك سوى تعليمهم و البيان لهم.
[١] سورة الدخان، الآية: ٣٢.
غ