نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٦ - سورة الأنبياء
به البلخيّ. و هذا إلى أن يكون عذرا لهم أقرب منه إلى أن يكون حجّة عليم؛ و أيسر الأحوال ألاّ يكون عذرا و لا احتجاجا، فلا يكون لتقديمه معنى.
و في الجواب الأول حسن تقديم ذلك على طريق الذّم و التوبيخ و التقريع من غير إضافة إليه عزّ و جلّ؛ و الجواب الأول أوضح و أصحّ.
و ثالثها: جواب روي عن الحسن، قال: يعني بقوله: مِنْ عَجَلٍ ، أي من ضعف، و هي النّطفة المهينة الضّعيفة، و هذا قريب إن كان في اللغة شاهد على أن العجل عبارة عن الضّعف أو معناه.
و رابعها: ما حكي أنّ أبا الحسن الأخفش أجاب به، و هو: أن يكون المراد أنّ الإنسان خلق من تعجيل من الأمر؛ لأنّه تعالى قال: إِنَّمََا قَوْلُنََا لِشَيْءٍ إِذََا أَرَدْنََاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١] .
فإن قيل: كيف يطابق هذا الجواب قوله من بعد: فَلاََ تَسْتَعْجِلُونِ ؟
قلنا: يمكن أن يكون وجه المطابقة أنّهم لمّا استعجلوا بالآيات و استبطؤوها أعلمهم تعالى أنّه ممّن لا يعجزه شيء إذا أراده، و لا يمتنع عليه؛ و أنّ من خلق الإنسان بلا كلفة و لا مؤونة بأن قال له: كن فكان، مع ما فيه من بدائع الصنعة، و عجائب الحكمة التي يعجز عنها كلّ قادر، و يحار فيها كلّ ناظر، لا يعجزه إظهار ما استعجلوه من الآيات.
و خامسها: ما أجاب به بعضهم من أنّ العجل الطين، فكأنّه تعالى قال:
خلق الإنسان من طين، كما قال تعالى في موضع آخر: وَ بَدَأَ خَلْقَ اَلْإِنْسََانِ مِنْ طِينٍ [٢] ، و استشهد بقول الشاعر:
و النّبع ينبت بين الصّخر ضاحية # و النخل ينبت بين الماء و العجل [٣]
و وجدنا قوما يطعنون في هذا الجواب، و يقولون: ليس بمعروف أنّ العجل هو الطين، و قد حكي صاحب كتاب «العين» عن بعضهم أنّ العجل الحمأة، و لم
[١] سورة النحل، الآية: ٤٠.
[٢] سورة السجدة، الآية: ٧.
[٣] البيت في اللسان (عجل) .