نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٧ - سورة النّمل
قلنا: إضافة القول إليهما دونه تعالى يمنع من ذلك، و القائل هو فاعل القول دون محلّه.
فأمّا قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً فالعذاب هو الألم و الضرر، و ليس [يجري]مجرى العقاب الذي لا يكون إلاّ على سبب متقدّم و لا يكون مبتدءا.
ألا ترى أنّهم يقولون ابتدأه بالعذاب، و لا يقولون ابتدأه بالعقاب؟و قد يبيح اللّه تعالى من إيلام البهائم ما تضمّن هو العوض عنه، كما أباح ركوبها و الحمل عليها و أن ألمها و يثق [١] عليها و أباح ذبحها.
و قد روي أنّ العذاب الذي ذكره سليمان عليه السّلام إنّما كان نتف ريشه.
و ليس قوله: لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذََاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ وعيدا على ما جرى في المسألة؛ لأن القائل قد يقول و هو غير متوعّد: إن كان كذا ذبحت شاتي، و إن لم يطر طائري إلى الموضع الفلاني ذبحته؛ لأنّه مخيّر في أوقات هذا الذبح المباح، و كان عليه السّلام يخبر عن ذبح الهدهد أو نتف ريشه إن لم يعلم من حاله ما يصرفه عن هذا الداعي، فلمّا علم وروده من تلك الجهة، انصرف عن داعي الذبح أو الايلام. و معنى بِسُلْطََانٍ مُبِينٍ أي يأتي بأمر يصرفني عمّا عزمت عليه، فكأنّه حجّة و سلطان.
و سليمان عليه السّلام لم يجعل على الحقيقة الهدهد رسولا متحمّلا لكتاب، و لا قال له: اذهب بكتابي هذا[و]ألقه إليهم، ثمّ تولّ فانظر ما ذا يرجعون، بل لمّا ظهر منه عليه السّلام ما فيه معاني هذه الحكاية و فوائدها، جاز على مذهب العرب أن يضاف إليه أنّه قال ذلك.
ألا ترى أنّ أحدنا قد يكتب كتابا مع طائر، و يرسله إلى بعض البلدان، ليعرف أخبار تلك البلدة و أحوالها، فيجوز أن يقول هذا و يحكي عنه غيره: أنّه أرسل الطائر، و قال[له]: عرّفني ما في ذلك البلد وصف لي أحوال كذا و أخبار كذا، و يجعل ما هو غرضه كأنّه ناطق به و ما يوصل به إلى هذا الغرض، كأنّه رسول مخاطب بالتي سئل.
[١] كذا في الأصل.