نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٩ - سورة الكهف
مرهقا، و لا يكون بقاؤه بالكفر لأبويه مرهقا، و ليس له بالإماتة أن يقول يوم القيامة: ربّ لم أمتني، و له أن يقول: إنّي لم قتلت و لا ذنب لي.
و يجيء من هذا أنّ للسلطان إذا علم أنّ في قتل من لم يجب قتله مصلحة، لا بل مصالح كثيرة، أن يقتله، و إذا علم أيضا أن مع الإنسان ما لا يرهقه الطغيان و الاستعلاء على ما هو دونه، و الاستذلال للناس أن يأخذ ماله، لما في ذلك من المصلحة، و ليس الأمر كذلك.
فدلّ هذا على أنّ اللّه تعالى فاعل ما يشاء و أراد، و ليس لأحد أن يقول: لم لا؟ و كيف؟، و لا يعارض و لا يعجب، قال اللّه تعالى: حَتََّى إِذََا رَكِبََا فِي اَلسَّفِينَةِ خَرَقَهََا [١] و قال: حَتََّى إِذََا لَقِيََا غُلاََماً فَقَتَلَهُ [٢] و قال: حَتََّى إِذََا أَتَيََا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَمََا أَهْلَهََا [٣] فعطف القتل على لقاء الغلام بالفاء، و لم يدخل في خرق السفينة على الركوب حرف عطف، و لا في الاستطعام على إتيان أهل القرية عطفا، لأيّ معنى دخلت الفاء في موضع دون موضع؟فلا بدّ لذلك في معنى يخصّه.
الجواب: إنّ العلم بحسن الحسن و قبح القبيح لا يختلف بالإضافة إلى العالمين، و لا فرق في هذا العلم بين القديم تعالى و المحدث.
فأمّا موسى عليه السّلام فإنّما استقبح على البديهة قتل الغلام؛ لأنّه لم يعرف الوجه الذي هو عليه حسن قتله و قبح تبقيته، و لو علم ذلك لعلم حسن القتل و قبح التبقية.
و إنّما وجب قتل الغلام؛ لأنّ في تبقيته على ما ذكر اللّه تعالى في القرآن مفسدة من حيث علم اللّه تعالى أنّه يدعو أبويه إلى الكفر فيجيبان له، و المفسدة وجه قبيح، و ليس كلّ وجوه وجوب القتل للاستحقاق بجناية تقدّمت، بل المفسدة وجه من وجوه القبح. و إذا علم اللّه تعالى أنّ في التبقية مفسدة وجب القتل.
فأمّا ما مضى في السؤال من أنّه تعالى كان قادرا على إزالة الحياة بالموت من غير ألم، فتزول التبقية التي هي المفسدة من غير إدخال إيلام عليه بالقتل.
[١] سورة الكهف، الآية: ٧١.
[٢] سورة الكهف، الآية: ٧٤.
[٣] سورة الكهف، الآية: ٧٧.