موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٩٢٤ - الخاتمة ضرورة وجود السلطان و وجوب الطاعة و الانقياد له
و إذا ما دقق و حقق فى المعاملات الجارية للأقوام الذين أتوا إلى الدنيا، مكمن العبر ثم غادروها و عمّق النظر فيها لسلّم أن الدنيا ليست دار ثواب و عقاب، و لكنها نموذج للحياة الآخرة بكل ما فيها من المجازاة الشرعية و قوانينها العرفية، هذه هى خلاصة الخلاصة التى تستنبط من فحوى الكتب الشرعية.
و إن كان لا ينكر أن الدنيا دار كسب و عمل و تقدم، إلا أن الحصول على السعادة المطلوبة فى الدنيا و الآخرة و التمتع بالنعم الجليلة و الأخذ بالحظ الوافر منهما يتوقف على الانصياع لأوامر الخليفة المقتدى به و تدابيره. و لما كان منصب الخلافة أصلا قويما يجمع بين المناصب الدينية و الدنيوية فقد فوض تنظيم أمور العباد وفقا للقوانين الشرعية، و الحكم و التصرف ليد الخليفة القديرة، فالخدمات الدينية و الوظائف التى توجه إلى رجال الدولة و المصالح العامة برمتها متشعبة من ذلك الأصل و متفرعة منه.
و إذا لم يخف بنو البشر من سياسة الخوف و الجزاء لأخلوا بالنظام و راحة الناس بحكم طبيعتهم البشرية، و لقاموا بارتكاب أعمال غير مرضية. إن ضرورة وجود خليفة مقتدر به فى كل عصر قد ثبت بالنص الجليل:
يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ (ص: ٢٦)
إن اللّه- سبحانه و تعالى- خلق و رتب وسائل صيانة صلاح بنى البشر و نظام معاده و معاشه خاليا وجوده و بقائه من الفساد و الخلل وفق الحكمة الربانية، و جعل الخليفة وسيلة فى تدبير أموره لأن ترك بنى البشر لأنفسهم يؤدى إلى الظلم و البغى و التعدى و إفنائهم و انقطاع نسلهم و انفصامهم.
و هذه الحال تنافى أحكام المشيئة الإلهية، لهذا لزم وجود خليفة حكيم قادر على دفع الظلم و العدوان، مدبر للشئون محافظة على حياة الإنسانية، و على هذا يجب أن تقوم صلاحية الخليفة الشرعية و أن نعلم من ذلك الشخص الذى يستحق أن يطلق عليه اسم الخليفة.