موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٩١٩ - مبرك الناقة
و مهما كان الإنسان مطلعا على التاريخ و تعلم ما يخص المناسك و كان متبحرا فى العلوم فهو فى حاجة إلى دليل عند زيارته للمآثر المبروكة، و أن طفلا من أهل مكة فى الخامسة أو السادسة من عمره يمكنه أن يخجل فى آداب الزيارة، و تعيين مواقعها و معرفة آثار مكة المتبحر فريد عصره و وحيد دهره، إن فى عصرنا هذا من المستحيل أن نجد عالما متبحرا فى تحليل المسائل الفقهية و الشرعية و دقائقها مثل الإمام الأعظم أبى حنيفة رحمة اللّه.
قد أوجب الإمام الأعظم- الذى يسلّم بفضله و كماله- اتخاذ دليل للحاج.
و لا يقال ما دامت كتب المناسك فى اليد و المعلومات التاريخية فى الحافظة فما لزوم الدليل؟
و فى الواقع أن كتب المناسك و المعلومات التاريخية يمكنهما أن تكونا رفيقين شقيقين للحاج، و هذه حقيقة غير قابلة للإنكار، إلا أن الشخص المتبحر الذى تعلم مسائل الحج من كتب المناسك، و تعرف على الآثار الشريفة بواسطة كتب التاريخ، ثم حج معتمدا على هذه الأشياء يشبه ربان الباخرة، فمثل هذا الربان لا يستطيع أن يقترب من الشطآن المجهولة معتمدا على المعلومات الغنية للشخص المكلف بحسابات السفينة، و ما معه من الخرائط و متانة آلات الباخرة و سائر أدواتها، صحيح أنه قد يصل إلى المكان الذى يقصده بدلالة البوصلة و متانة الآلات و الأدوات الأخرى، و يمكنه أن يتجافى مخاطر العواصف و الأعاصير المتوقعة، و أنه قد يصل إلى شاطئ السلامة، لكن مع كل هذا لا يمكنه أن يستغنى عن الدليل المرشد الذى يعرف أماكن الجزر و المضايق و الرمال التى لا تستقر فيها المرساة و الجرف، و كل ربان يخرج إلى البحر بدون أن يأخذ معه دليلا بدافع تعنته و غروره الأنانى، يكون قد ألقى بأرواح المسافرين معه فى بحر الهلاك.
و كذلك تعطى كتب المناسك و التاريخ معلومات صحيحة و مكملة، إلا أنه يحتاج إلى دليل عند زيارة الآثار، دليل يوضح له الآثار، و آداب زيارتها و كيفية تصرفه عند وجوده عندها، لأن الكتب لا تستطيع أن تؤدى الخدمة التى يؤديها