موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٨٣٩ - يقال
بصلاة الجماعة، فذهب إلى الحرم الشريف لصلاة العصر، و بعد أداء الصلاة خرجت من باب الصفا كالعادة و استطعت بصعوبة أن أصل إلى مراقى طاق الصفا، و قد رقد الناس على طرفى الطريق و لم يبق فى طريق المسعى مكانا لقدم من كثرة جثث الموتى المسلمين.
و لما رأيت كثرة الجثث و قد رقد زيد على عمرو فزعت بشدة، و لم أستطع أن أتقدم خطوة بعد طاق الصفا و ظللت مستندا على مراقى الصفا و كأننى جماد بلا روح.
و بعد فترة صفع آذانى هاتف يقول: ألا تستحيى؟! ألا تؤمن بما جاء فى الآية الكريمة: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف:
٣٤) و إنك عالم بقدر ما، قد قرأت عدة كتب تفسير، و طالعت كتب الأحاديث إن شجرة الإيمان قد مدت جذورها فى روضة قلبك، و إذا ما تخلصت من وهم الخوف الذى استولى عليك و داومت على قراءة سورة لِإِيلافِ قُرَيْشٍ (قريش: ١) فلا تحترز من شىء، و إذا ما قلت هذ السر لأى واحد تنقذه مما تلقيه الأوهام عليه.
واه! إن هذا لعيب و إثم كبير أيضا! و كأننى كنت ميتا قبل أن أسمع هذا الصوت، و كأن الصوت قد نفخ فى روحا و وهب لجسمى المنتفض الحياة.
فلم يبق أى أثر لهذه الأفكار التى أصبت بها فنظرت حولى، فوجدت أن ليس هناك نفر يتنفس، فوقعت مرة أخرى فى براثن الأوهام فسبحت فى أمواج بحر الاضطراب.
و فى النهاية فهمت أن الصوت من التلقينات الإلهامية، و أخذت فى قراءة السورة المباركة التى سبق ذكرها، و أخذت الصور العجيبة و الأشكال المخيفة التى ألقتها الأوهام فى نفسى تزول تدريجيا، و لما وجدت فى جسمى قوة كافية للتحرك، قمت و اتجهت إلى بيتى و أنا أقرأ سورة (لِإِيلافِ) و لما وصلت إلى بيتى نبهت الجميع بلزوم قراءة السورة المذكورة و الاستمرار فيها. و لما رأيت أن أوهام الخوف قد زالت عن أهلى أيضا أصبحت أوصى كل من أصادفه بقراءة سورة (لِإِيلافِ). و لم يبق فى جميع الذين استمروا فى قراءة هذه السورة آثار