موسوعة مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب - أيوب صبري باشا - الصفحة ٦٢٤ - حكاية
كل شىء على أحسن ما يرام، أراد أحد الموظفين الذين كانوا يعملون فى هذا العمل الخيرى أن يعرض كل ما أنفق فى هذا العمل مقيدا الحسابات فى دفتر، و قدمه للسيدة زبيدة راجيا أن تلقى نظرة لتسوية الحساب و هى فى قصرها المبنى على نهر دجلة، فأخذت الدفتر و ألقته بين المياه، و استدعت الموظف المذكور و قالت له تركت تسوية حساب هذا العمل إلى يوم الحساب، إذا كان هناك فى ذمتك بعض المبالغ فإننى تنازلت عنها كهدية، أما إذا كان لك طلب فقله شفويا حتى أؤديه لك، ثم ألبست الموظف و من معه حلة فاخرة و طيبت خاطره «انتهى».
قد اتفق جميع المؤرخين على أن تلك السيدة العظيمة صاحبة العصمة قد أجرت المياه إلى مدينة مكة المكرمة من مسافة تبعد ثلاثة أيام منها؛ إلا أنه من الثابت أن السيدة زبيدة قد غادرت أرض الفناء، و اتجهت إلى حجرتها المفروشة بالإستبرق [١] و ذلك فى سنة (٢١٢) و ظل ذلك العمل ناقصا إلى عهد السلطان سليمان بن السلطان سليم.
و لما آل الأمر إلى السلطان المشار إليه بذلت كريمة السلطان السعيد الحظ مهرماه بعون والدها كل جهدها لإتمام ذلك العمل، و أوصلت المياه إلى مكة المكرمة.
و بنت عدة عيون فى المسعى الشريف و بهذا أحيت أهالى مكة المكرمة بلد اللّه الأمين كما سيوضح فيما يأتى.
و بناء على هذا فإن قصة تقديم دفتر المحاسبة إلى السيدة زبيدة لا أصل لها فهى مختلقة.
إن منبع ماء حنين الذى أجرته السيدة زبيدة إلى مكة فى سفح جبل «ثنية» إلى جبل «طاد» العاليان أشد العلو و الواقعان فى طريق الطائف. و يفيض هذا الماء من منبعه نحو حقول قرى حنين، و بعد ما يروى نخيل القرى الواقعة على طرفيه يستمر فى جريانه إلى أن يصل إلى حائط حنين [٢]. إن السيدة زبيدة اشترت كل
[١] يعنى توفيت. و هى جملة المقصود بها الدعاء للمذكورة أن يسكنها اللّه الجنة.
[٢] يطلق على الوادى الذى يشمل قرى حنين و بساتينها «حائط حنين» و قد وقعت غزوة حنين الجليلة فى الصحراء المفزعة التى تنتهى عند البساتين المذكورة.