معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٣٦٨ - شكوى الإمام علي (ع) من تغيير السنّة النبوية
و كتب إلى عبد الملك يعظّم فيه أمر الخلافة و يزعم أنّ السموات و الأرض ما قامتا إلاّ بها، و انّ الخليفة عند اللّه افضل من الملائكة المقرّبين و الأنبياء و المرسلين، و ذلك أنّ اللّه خلق آدم بيده و أسجد له ملائكته و أسكنه جنّته، ثمّ أهبطه إلى الأرض و جعله خليفته، و جعل الملائكة رسلا إليه، فأعجب عبد الملك بذلك، و قال: لوددت أنّ بعض الخوارج عندي فأخاصمه بهذا الكتاب... الحديث [١] .
و في مرّة واحدة أنزل من قدر الخليفة و جعله مساويا للرسول فقد قال في خطبة كما في سنن أبي داود و العقد الفريد: أنّ مثل عثمان عند اللّه كمثل عيسى بن مريم، ثمّ قرأ هذه الآية «إذ قال اللّه يا عيسى إني متوفّيك و رافعك إليّ و مطهّرك من الّذين كفروا و جاعل الّذين اتبعوك فوق الّذين كفروا إلى يوم القيامة» [٢] .
و في العقد الفريد: بعد «من الذين كفروا» أنه أشار بيده إلى أهل الشام [٣] أي أنّهم الّذين اتبعوا الخليفة فجعلهم اللّه فوق الذين كفروا و هم أهل العراق، و أمر الوليد ابن عبد الملك خالد بن عبد اللّه القسري، فحفر بئرا بمكة فجاءت عذبة الماء طيّبة، و كان يستسقي منها الناس، فقال خالد في خطبته على منبر مكّة: أيّها الناس أيّهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟و اللّه لم تعلموا فضل الخليفة ألاّ إنّ إبراهيم خليل الرحمن استسقى فسقاه ملحا أجاجا و استسقاه الخليفة فسقاه عذبا فراتا. يعني بالملح زمزم و بالماء الفرات بئرا حفرها الوليد بن عبد الملك بالثنيتين ثنية طوى و ثنية الحجون فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم، قال الراوي: ثمّ غارت البئر فذهبت فلا يدرى أين هي اليوم [٤] .
بلغت عصبة الخلافة [٥] إلى هذا الحدّ من الإسفاف في توجيهها الأمّة على تقديس مقام الخلافة و خاصة مقام الخليفتين الأولين: أبي بكر و عمر (رض) ، و بلغت في ذلك باخريات عهد عمر (رض) مستوى من التربية الفكرية للأمّة كان مقبولا معها
[١] العقد الفريد ٥/٥١.
[٢] سورة آل عمران آية/٥٥.
[٣] سنن أبي داود ٤/٢٠٩، و العقد الفريد ٥/٥١.
[٤] في ذكر حوادث سنة تسع و ثمانين من الطبري ٥/٦٧، و ابن الأثير ٤/٢٠٥، و ابن كثير ٩/٧٦.
[٥] قصدنا من لفظ العصبة معناه اللغوي و هو العصابة: أي الجماعة من الرجال و ذلك ما قصده الرسول (ع) في غزوة بدر عند ما دعا ربه و قال في حق أصحابه: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد.