البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٨٥ - ١٧- باب في ما ذكره الشيخ عليّ بن إبراهيم في مطلع تفسيره
لو كان إلهان لطلب كل واحد منهما العلو،و إذا شاء واحد أن يخلق إنسانا،فشاء الآخر أن يخالفه فيخلق بهيمة، فيكون الخلق منهما على مشيئتهما و اختلاف إرادتهما إنسانا و بهيمة في حالة واحدة.
فهذا من أعظم المحال غير موجود،فإذا بطل هذا،و لم يكن بينهما اختلاف،بطل الاثنان،و كان واحدا، و هذا التدبير و اتصاله و قوام بعضه ببعض و اختلاف الأهواء و الإرادات و المشيئات يدلّ على صانع واحد،و هو قول اللّه عزّ و جلّ: مَا اتَّخَذَ اللّٰهُ مِنْ وَلَدٍ وَ مٰا كٰانَ مَعَهُ مِنْ إِلٰهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلٰهٍ بِمٰا خَلَقَ وَ لَعَلاٰ بَعْضُهُمْ عَلىٰ بَعْضٍ [١]و قوله: لَوْ كٰانَ فِيهِمٰا آلِهَةٌ إِلاَّ اللّٰهُ لَفَسَدَتٰا . [٢]
و أمّا الرد على عبدة الأوثان،فقوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ عِبٰادٌ أَمْثٰالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صٰادِقِينَ* أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهٰا أَمْ لَهُمْ آذٰانٌ يَسْمَعُونَ بِهٰا قُلِ ادْعُوا شُرَكٰاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلاٰ تُنْظِرُونِ . [٣]
و قوله يحكي قول إبراهيم(عليه السلام): أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لاٰ يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لاٰ يَضُرُّكُمْ* أُفٍّ لَكُمْ وَ لِمٰا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَ فَلاٰ تَعْقِلُونَ [٤]و قوله: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلاٰ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَ لاٰ تَحْوِيلاً [٥].و قوله: أَ فَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاٰ يَخْلُقُ أَ فَلاٰ تَذَكَّرُونَ [٦]و مثله كثير ممّا هو ردّ على الزنادقة و عبدة الأوثان.
و أمّا الرد على الدهرية،فإن الدهرية زعموا أن الدهر لم يزل و لا يزال أبدا،و ليس له مدبر و لا صانع،و أنكروا البعث و النشور،فحكى اللّه عزّ و جلّ قولهم فقال: وَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلاّٰ حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا -و إنّما قالوا نحيا و نموت- وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلاَّ الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّٰ يَظُنُّونَ [٧]فرد اللّه عليهم،فقال عزّ و جلّ: يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَ غَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَ نُقِرُّ فِي الْأَرْحٰامِ مٰا نَشٰاءُ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاٰ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً . [٨]
ثمّ ضرب للبعث و النشور مثلا،فقال: وَ تَرَى الْأَرْضَ هٰامِدَةً -أي يابسة ميتة- فَإِذٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْهَا الْمٰاءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ -أي حسن- ذٰلِكَ بِأَنَّ اللّٰهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتىٰ وَ أَنَّهُ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*
[١] المؤمنون ٢٣:٩١.
[٢] الأنبياء ٢١:٢٢.
[٣] الأعراف ٧:١٩٤ و ١٩٥.
[٤] الأنبياء ٢١:٦٦ و ٦٧.
[٥] الإسراء ١٧:٥٦.
[٦] النحل ١٦:١٧.
[٧] الجاثية ٤٥:٢٤.
[٨] الحجّ ٢٢:٥.