البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٥٧ - بقرة آيه ٧٩- ٧٨
قَالَ:بَيِّنْ لِي ذَلِكَ،يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ.
قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):إِنَّ عَوَامَّ الْيَهُودِ كَانُوا قَدْ عَرَفُوا عُلَمَاءَهُمْ بِالْكَذِبِ الصُّرَاحِ،وَ بِأَكْلِ الْحَرَامِ وَ الرِّشَا [١]،وَ بِتَغْيِيرِ الْأَحْكَامِ عَنْ وَاجِبِهَا بِالشَّفَاعَاتِ وَ الْعِنَايَاتِ وَ الْمُصَانَعَاتِ،وَ عَرَفُوهُمْ بِالتَّعَصُّبِ الشَّدِيدِ الَّذِي يُفَارِقُونَ بِهِ أَدْيَانَهُمْ، وَ أَنَّهُمْ إِذَا تَعَصَّبُوا أَزَالُوا حُقُوقَ مَنْ تَعَصَّبُوا عَلَيْهِ،وَ أَعْطَوْا مَا لاَ يَسْتَحِقُّهُ مَنْ تَعَصَّبُوا لَهُ مِنْ أَمْوَالِ غَيْرِهِمْ، وَ ظَلَمُوهُمْ [٢] مِنْ أَجْلِهِمْ،وَ عَرَفُوهُمْ بِأَنَّهُمْ يُقَارِفُونَ الْمُحَرَّمَاتِ،وَ اضْطُرُّوا بِمَعَارِفِ قُلُوبِهِمْ إِلَى أَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا يَفْعَلُونَهُ فَهُوَ فَاسِقٌ،لاَ يَجُوزُ أَنْ يُصَدَّقَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى،وَ لاَ عَلَى الْوَسَائِطِ بَيْنَ الْخَلْقِ وَ بَيْنَ اللَّهِ،فَلِذَلِكَ ذَمَّهُمْ لِمَا قَلَّدُوا مَنْ قَدْ عَرَفُوا،وَ مَنْ قَدْ عَلِمُوا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ قَبُولُ خَبَرِهِ،وَ لاَ تَصْدِيقُهُ فِي حِكَايَتِهِ،وَ لاَ الْعَمَلُ بِمَا يُؤَدِّيهِ [٣] إِلَيْهِمْ عَمَّنْ لَمْ يُشَاهِدُوهُ [٤]،وَ وَجَبَ عَلَيْهِمُ النَّظَرُ بِأَنْفُسِهِمْ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِذْ كَانَتْ دَلاَئِلُهُ أَوْضَحَ مِنْ أَنْ تَخْفَى،وَ أَشْهَرَ مِنْ أَنْ لاَ تَظْهَرَ لَهُمْ.
وَ كَذَلِكَ عَوَامُّ أُمَّتِنَا،إِذَا عَرَفُوا مِنْ فُقَهَائِهِمُ الْفِسْقَ الظَّاهِرَ،وَ الْعَصَبِيَّةَ [٥] الشَّدِيدَةَ،وَ التَّكَالُبَ عَلَى حُطَامِ الدُّنْيَا وَ حَرَامِهَا،وَ إِهْلاَكَ مَنْ يَتَعَصَّبُونَ عَلَيْهِ،وَ إِنْ كَانَ لِإِصْلاَحِ أَمْرِهِ مُسْتَحِقّاً،وَ بِالتَّرَفْرُفِ [٦] بِالْبِرِّ وَ الْإِحْسَانِ عَلَى مَنْ تَعَصَّبُوا لَهُ،وَ إِنْ كَانَ لِلْإِذْلاَلِ وَ الْإِهَانَةِ مُسْتَحِقّاً،فَمَنْ قَلَّدَ مِنْ عَوَامِّنَا مِثْلَ هَؤُلاَءِ الْفُقَهَاءِ فَهُمْ مِثْلُ الْيَهُودِ الَّذِينَ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِالتَّقْلِيدِ لِفَسَقَةِ فُقَهَائِهِمْ.
فَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنَ الْفُقَهَاءِ صَائِناً لِنَفْسِهِ،حَافِظاً لِدِينِهِ،مُخَالِفاً لِهَوَاهُ [٧]،مُطِيعاً لِأَمْرِ مَوْلاَهُ فَلِلْعَوَامِّ أَنْ يُقَلِّدُوهُ، وَ ذَلِكَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ فِي بَعْضِ فُقَهَاءِ الشِّيعَةِ لاَ جَمِيعِهِمْ،فَإِنَّهُ مَنْ رَكِبَ مِنَ الْقَبَائِحِ وَ الْفَوَاحِشِ مَرَاكِبَ فَسَقَةِ فُقَهَاءِ الْعَامَّةِ فَلاَ تَقْبَلُوا مِنْهُمْ عَنَّا شَيْئاً،وَ لاَ كَرَامَةَ لَهُمْ،وَ إِنَّمَا كَثُرَ التَّخْلِيطُ فِيمَا يُتَحَمَّلُ عَنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ لِذَلِكَ،لِأَنَّ الْفَسَقَةَ يَتَحَمَّلُونَ عَنَّا فَيُحَرِّفُونَهُ بِأَسْرِهِ لِجَهْلِهِمْ [٨]،وَ يَضَعُونَ الْأَشْيَاءَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ،وَ آخَرِينَ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ عَلَيْنَا لِيَجُرُّوا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا مَا هُوَ زَادُهُمْ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ.
وَ مِنْهُمْ قَوْمٌ نُصَّابٌ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى الْقَدْحِ فِينَا،يَتَعَلَّمُونَ بَعْضَ عُلُومِنَا الصَّحِيحَةِ فَيَتَوَجَّهُونَ بِهِ عِنْدَ شِيعَتِنَا، وَ يَنْتَقِصُونَ بِنَا عِنْدَ نُصَّابِنَا [٩]،ثُمَّ يُضِيفُونَ إِلَيْهِ أَضْعَافَهُ وَ أَضْعَافَ أَضْعَافِهِ مِنَ الْأَكَاذِيبِ عَلَيْنَا الَّتِي نَحْنُ بِرَاءٌ مِنْهَا، فَيَتَقَبَّلُهُ الْمُسْلِمُونَ الْمُسْتَسْلِمُونَ مِنْ شِيعَتِنَا عَلَى أَنَّهُ مِنْ عُلُومِنَا فَضَلُّوا وَ أَضَلُّوا،وَ هُمْ أَضَرُّ عَلَى ضُعَفَاءِ شِيعَتِنَا مِنْ
[١] الرشا:جمع رشوة:ما يعطيه الشخص الحاكم و غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد.«مجمع البحرين-رشا-١:١٨٤».
[٢] في«س»:و ظلموا.
[٣] في«ط»:يورد به.
[٤] في«س»:لم يشاهده.
[٥] في«س»:المعصية.
[٦] في المصدر:بالترفّق،و في«ط»نسخة بدل:بالترفف.و ترفرف عليه:عطف و تحنّى.
[٧] في«س»،«ط»:على هواه.
[٨] في«ط»:نسخة بدل:بجهلهم.
[٩] في«س»نسخة بدل:و ينتقصون لنا،و في«ط»:عند أنصارنا.