البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٣٨ - بقرة آيه ٧٣- ٦٧
أَعْتَرِضُ عَلَيْهِ فِيمَا أَمَرَ،أَ لاَ تَرَوْنَ أَنَّهُ لَمَّا حَرَّمَ الْعَمَلَ يَوْمَ السَّبْتِ،وَ حَرَّمَ لَحْمَ الْجَمَلِ،لَمْ يَكُنْ لَنَا أَنْ نَقْتَرِحَ عَلَيْهِ أَنْ يُغَيِّرَ مَا حَكَمَ اللَّهُ [١] عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ،بَلْ عَلَيْنَا أَنْ نُسَلِّمَ لَهُ حُكْمَهُ،وَ نَلْتَزِمَ مَا أَلْزَمَنَا؛وَ هَمَّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ بِالَّذِي كَانَ يَحْكُمُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِمْ فِي مِثْلِ حَادِثَتِهِمْ.
فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ:يَا مُوسَى،أَجِبْهُمْ إِلَى مَا اقْتَرَحُوا،وَ سَلْنِي أَنْ أُبَيِّنَ لَهُمُ الْقَاتِلَ لِيُقْتَلَ،وَ يَسْلَمَ غَيْرُهُ مِنَ التُّهَمَةِ وَ الْغَرَامَةِ،فَإِنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ بِإِجَابَتِهِمْ إِلَى مَا اقْتَرَحُوا تَوْسِعَةَ الرِّزْقِ عَلَى رَجُلٍ مِنْ خِيَارِ أُمَّتِكَ،دِينُهُ الصَّلاَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ،وَ التَّفْضِيلُ لِمُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ بَعْدَهُ عَلَى سَائِرِ الْبَرَايَا،أُغْنِيهِ فِي الدُّنْيَا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ [٢]، لِيَكُونَ مِنْ بَعْضِ ثَوَابِهِ عَنْ تَعْظِيمِهِ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِهِ.
فَقَالَ مُوسَى:يَا رَبِّ،بَيِّنْ لَنَا قَاتِلَهُ؛فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ:قُلْ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ:إِنَّ اللَّهَ يُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ،بِأَنْ يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً،فَتَضْرِبُوا بِبَعْضِهَا الْمَقْتُولَ فَيَحْيَا،فَتَقْبَلُوا [٣] لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ذَلِكَ،وَ إِلاَّ فَكُفُّوا عَنِ الْمَسْأَلَةِ،وَ الْتَزِمُوا ظَاهِرَ حُكْمِي.
فَذَلِكَ مَا حَكَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: وَ إِذْ قٰالَ مُوسىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً إِنْ أَرَدْتُمُ الْوُقُوفَ عَلَى الْقَاتِلِ،تَضْرِبُوا الْمَقْتُولَ بِبَعْضِهَا فَيَحْيَا،وَ يُخْبِرُ بِالْقَاتِلِ قٰالُوا -يَا مُوسَى- أَ تَتَّخِذُنٰا هُزُواً سُخْرِيَّةً؟تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَنَا أَنْ نَذْبَحَ بَقَرَةً،وَ نَأْخُذَ قِطْعَةً مِنَ الْمَيِّتِ،وَ نَضْرِبَ بِهَا مَيِّتاً،فَيَحْيَا أَحَدُ الْمَيِّتَيْنِ بِمُلاَقَاتِهِ بَعْضَ الْمَيِّتِ الْآخَرِ، كَيْفَ يَكُونُ هَذَا؟! قَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ): أَعُوذُ بِاللّٰهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجٰاهِلِينَ أَنْسُبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا لَمْ يَقُلْ لِي،وَ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ،أُعَارِضُ أَمْرَ اللَّهِ بِقِيَاسِي عَلَى مَا شَاهَدْتُ،دَافِعاً لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَ أَمْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):أَ وَ لَيْسَ مَاءُ الرَّجُلِ نُطْفَةً مَيِّتَةً،وَ مَاءُ الْمَرْأَةِ كَذَلِكَ،مَيِّتَانِ يَلْتَقِيَانِ فَيُحْدِثُ اللَّهُ تَعَالَى مِنِ الْتِقَاءِ الْمَيِّتَيْنِ بَشَراً حَيّاً سَوِيّاً؟أَ وَ لَيْسَ بُذُورُكُمُ الَّتِي تَزْرَعُونَهَا فِي أَرَضِيكُمْ تَتَفَسَّخُ وَ تَتَعَفَّنُ وَ هِيَ مَيِّتَةٌ،ثُمَّ تَخْرُجُ [٤] مِنْهَا هَذِهِ السَّنَابِلُ الْحَسَنَةُ الْبَهِيجَةُ،وَ هَذِهِ الْأَشْجَارُ الْبَاسِقَةُ [٥] الْمُونِقَةُ؟ فَلَمَّا بَهَرَهُمْ مُوسَى(عَلَيْهِ السَّلاَمُ) قٰالُوا يَا مُوسَى اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنٰا مٰا هِيَ أَيْ مَا صِفَتُهَا،لِنَقِفَ عَلَيْهَا؛فَسَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ،فَقَالَ: إِنَّهٰا بَقَرَةٌ لاٰ فٰارِضٌ كَبِيرَةٌ وَ لاٰ بِكْرٌ صَغِيرَةٌ لَمْ تَفْرُضْ [٦]عَوٰانٌ وَسَطٌ بَيْنَ ذٰلِكَ بَيْنَ الْفَارِضِ وَ الْبِكْرِ فَافْعَلُوا مٰا تُؤْمَرُونَ إِذَا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ. قٰالُوا يَا مُوسَى اُدْعُ لَنٰا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنٰا مٰا لَوْنُهٰا أَيْ لَوْنُ هَذِهِ الْبَقَرَةِ الَّتِي تُرِيدُ أَنْ تَأْمُرَنَا بِذَبْحِهَا.
[١] في المصدر زيادة:به.
[٢] في المصدر:القضية.
[٣] في المصدر:فتسلّمون.
[٤] في المصدر:يخرج اللّه.
[٥] الباسقة:الطويلة.
[٦] فرضت البقرة:كبرت و طعنت في السن.«الصحاح-فرض-٣:١٠٩٧»، في المصدر:لم تغبط.