البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ١٨٨ - بقرة آيه ٣٦- ٣٥
تَعَرَّضْتُمَا لِرِضَايَ تَسَارَعْتُ إِلَى رِضَاكُمَا،وَ إِنْ خِفْتُمَا مِنِّي آمَنْتُكُمَا مِنْ سَخَطِي.قَالَ:فَبَكَيَا عِنْدَ ذَلِكَ،وَ قَالاَ:رَبَّنَا، فَأَعِنَّا عَلَى صَلاَحِ أَنْفُسِنَا،وَ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يُرْضِيكَ عَنَّا.
قَالَ اللَّهُ لَهُمَا:إِذَا عَمِلْتُمَا سُوءاً فَتُوبَا إِلَيَّ مِنْهُ أَتُبْ عَلَيْكُمَا،وَ أَنَا اللَّهُ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.
قَالاَ:فَأَهْبِطْنَا بِرَحْمَتِكَ إِلَى أَحَبِّ الْبِقَاعِ إِلَيْكَ؛قَالَ:فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ:أَنْ أَهْبِطْهُمَا إِلَى الْبَلْدَةِ الْمُبَارَكَةِ مَكَّةَ،قَالَ:فَهَبَطَ بِهِمَا جَبْرَئِيلُ فَأَلْقَى آدَمَ عَلَى الصَّفَا،وَ أَلْقَى حَوَّاءَ عَلَى الْمَرْوَةِ.
قَالَ:فَلَمَّا أُلْقِيَا قَامَا عَلَى أَرْجُلِهِمَا،وَ رَفَعَا [١] رُءُوسَهُمَا إِلَى السَّمَاءِ،وَ رَفَعَا أَصْوَاتَهُمَا بِالْبُكَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَ خَضَعَا بِأَعْنَاقِهِمَا.قَالَ:فَهَتَفَ اللَّهُ بِهِمَا:مَا يُبْكِيكُمَا بَعْدَ رِضَايَ عَنْكُمَا؟ قَالَ:فَقَالاَ:رَبَّنَا،أَبْكَتْنَا خَطِيئَتُنَا،وَ هِيَ الَّتِي أَخْرَجَتْنَا مِنْ جِوَارِ رَبِّنَا،وَ قَدْ خَفِيَ عَنَّا تَقْدِيسُ مَلاَئِكَتِكَ لَكَ -رَبَّنَا-وَ بَدَتْ لَنَا عَوْرَاتُنَا،وَ اضْطَرَّنَا ذَنْبُنَا إِلَى حَرْثِ الدُّنْيَا وَ مَطْعَمِهَا وَ مَشْرَبِهَا،وَ دَخَلَتْنَا وَحْشَةٌ شَدِيدَةٌ لِتَفْرِيقِكَ بَيْنَنَا.
قَالَ:فَرَحِمَهُمَا الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ عِنْدَ ذَلِكَ،وَ أَوْحَى إِلَى جَبْرَئِيلَ:أَنَا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ،وَ إِنِّي قَدْ رَحِمْتُ آدَمَ وَ حَوَّاءَ لَمَّا شَكَيَا إِلَيَّ،فَاهْبِطْ عَلَيْهِمَا بِخَيْمَةٍ مِنْ خِيَامِ الْجَنَّةِ،وَ عَزِّهِمَا عَنِّي بِفِرَاقِ الْجَنَّةِ،وَ اجْمَعْ بَيْنَهُمَا فِي الْخَيْمَةِ، فَإِنِّي قَدْ رَحِمْتُهُمَا لِبُكَائِهِمَا وَ وَحْشَتِهِمَا وَ وَحْدَتِهِمَا،وَ انْصِبْ لَهُمَا الْخَيْمَةَ عَلَى التُّرْعَةِ [٢] الَّتِي بَيْنَ جِبَالِ مَكَّةَ.
قَالَ:وَ التُّرْعَةُ مَكَانُ الْبَيْتِ وَ قَوَاعِدُهُ الَّتِي رَفَعَتْهَا الْمَلاَئِكَةُ قَبْلَ ذَلِكَ،فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ عَلَى آدَمَ بِالْخَيْمَةِ عَلَى مَكَانِ [٣] أَرْكَانِ الْبَيْتِ وَ قَوَاعِدِهِ فَنَصَبَهَا،قَالَ:وَ أَنْزَلَ جَبْرَئِيلُ آدَمَ مِنَ الصَّفَا،وَ أَنْزَلَ حَوَّاءَ مِنَ الْمَرْوَةِ،وَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْخَيْمَةِ،قَالَ:وَ كَانَ عَمُودُ الْخَيْمَةِ قَضِيبَ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ،فَأَضَاءَ نُورُهُ وَ ضَوْؤُهُ جِبَالَ مَكَّةَ وَ مَا حَوْلَهَا،قَالَ:وَ امْتَدَّ ضَوْءُ الْعَمُودِ،فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَرَماً [٤] لِحُرْمَةِ الْخَيْمَةِ وَ الْعَمُودِ،لِأَنَّهُمَا مِنَ الْجَنَّةِ.
قَالَ:وَ لِذَلِكَ جَعَلَ اللَّهُ الْحَسَنَاتِ فِي الْحَرَمِ مُضَاعَفَةً،وَ السَّيِّئَاتِ فِيهِ مُضَاعَفَةً،قَالَ:وَ مُدَّتْ أَطْنَابُ الْخَيْمَةِ حَوْلَهَا [٥]،فَمُنْتَهَى أَوْتَادِهَا مَا حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ،قَالَ:وَ كَانَتْ أَوْتَادُهَا مِنْ غُصُونِ الْجَنَّةِ،وَ أَطْنَابُهَا مِنْ ضَفَائِرِ الْأُرْجُوَانِ [٦].قَالَ:فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جَبْرَئِيلَ:أَهْبِطْ عَلَى الْخَيْمَةِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَحْرُسُونَهَا [٧] مِنْ مَرَدَةِ الْجِنِّ، وَ يُؤْنِسُونَ آدَمَ وَ حَوَّاءَ،وَ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْخَيْمَةِ تَعْظِيماً لِلْبَيْتِ وَ الْخَيْمَةِ.
قَالَ:فَهَبَطَتِ الْمَلاَئِكَةُ فَكَانُوا بِحَضْرَةِ الْخَيْمَةِ يَحْرُسُونَهَا مِنْ مَرَدَةِ الشَّيَاطِينِ وَ الْعُتَاةِ،وَ يَطُوفُونَ حَوْلَ أَرْكَانِ
[١] في المصدر:و ضجّا.
[٢] الترعة:الروضة و الباب،و يقال:الدرجة.«الصحاح-ترع-٣:١١٩١».
[٣] في المصدر:على مقدار.
[٤] في المصدر زيادة:فهو مواضع الحرم اليوم،كلّ ناحية من حيث بلغ ضوء العمود جعله حرما.
[٥] في المصدر:حولهما.
[٦] الأرجوان:شجر من الفصيلة القرنية،له زهر شديد الحمرة حسن المنظر.«المعجم الوسيط-ارج-١:١٣».
[٧] في المصدر:يحرسونهما.