البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٣٣ - آل عمران آيه ٦١
الْهَدِيَّةَ وَ لاَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ،لَهُ حَوْضٌ مِنْ شَفِيرِ زَمْزَمَ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ،يُدْفَقُ فِيهِ مِيزَابَانِ [١] مِنَ الرَّحِيقِ وَ التَّسْنِيمِ؛ فِيهِ أَكَاوِيبُ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ،مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً،وَ ذَلِكَ بِتَفْضِيلِي إِيَّاهُ عَلَى سَائِرِ الْمُرْسَلِينَ [٢]،يُوَافِقُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ،وَ سَرِيرَتُهُ عَلاَنِيَتَهُ،فَطُوبَى لَهُ وَ طُوبَى لِأُمَّتِهِ الَّذِينَ عَلَى مِلَّتِهِ يَحْيَونَ،وَ عَلَى سُنَّتِهِ يَمُوتُونَ،وَ مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ يَمِيلُونَ،آمِنِينَ مُؤْمِنِينَ،مُطْمَئِنِّينَ مُبَارَكِينَ،يَظْهَرُ فِي زَمَنِ قَحْطٍ وَ جَدْبٍ،فَيَدْعُونِّي فَتُرْخِي السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا [٣] حَتَّى يُرَى أَثَرُ بَرَكَاتِهَا فِي أَكْنَافِهَا،وَ أُبَارِكُ فِيمَا يَضَعُ فِيهِ يَدَهُ.
قَالَ:إِلَهِي سَمِّهِ؟قَالَ:نَعَمْ،هُوَ أَحْمَدُ،وَ هُوَ مُحَمَّدٌ،رَسُولِي إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً،وَ أَقْرَبُهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً، وَ أَخْصَصُهُمْ [٤] عِنْدِي شَفَاعَةً،لاَ يَأْمُرُ إِلاَّ بِمَا أُحِبُّ وَ يَنْهَى لِمَا أَكْرَهُ.
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ:فَأَنَّى تَقْدَمُ بِنَا [٥] عَلَى مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ؟قَالَ:نَشْهَدُ أَحْوَالَهُ وَ نَنْظُرُ آيَاتِهِ [٦]،فَإِنْ يَكُنْ هُوَ سَاعَدْنَاهُ بِالْمَسْأَلَةِ،وَ نَكُفُّهُ بِأَمْوَالِنَا عَنْ أَهْلِ دِينِنَا مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُ بِنَا،وَ إِنْ يَكُ كَاذِباً كَفَيْنَاهُ بِكَذِبِهِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ.
قَالَ:وَ لِمَ-إِذَا رَأَيْتَ الْعَلاَمَةَ-لاَ تَتْبَعُهُ؟قَالَ:أَ مَا رَأَيْتَ مَا فَعَلَ بِنَا هَؤُلاَءِ الْقَوْمُ؟أَكْرَمُونَا وَ مَوَّلُونَا،وَ نَصَبُوا لَنَا الْكَنَائِسَ وَ أَعْلَوْا فِيهَا ذِكْرَنَا،فَكَيْفَ تَطِيبُ النَّفْسُ بِالدُّخُولِ فِي دِينٍ يَسْتَوِي فِيهِ الشَّرِيفُ وَ الْوَضِيعُ؟ فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ،قَالَ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَا رَأَيْنَا وَفْداً مِنْ وُفُودِ الْعَرَبِ كَانُوا أَجْمَلَ مِنْهُمْ،لَهُمْ شُعُورٌ وَ عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحَبْرِ،وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مُتَنَاءٍ عَنِ الْمَسْجِدِ،وَ حَضَرَتْ صَلاَتُهُمْ، فَقَامُوا فَصَلَّوْا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)تِلْقَاءَ الْمَشْرِقِ،فَهَمَّ بِهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)تَمْنَعُهُمْ،فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،فَقَالَ:«دَعُوهُمْ»فَلَمَّا قَضَوْا صَلاَتَهُمْ جَلَسُوا إِلَيْهِ وَ نَاظَرُوهُ، فَقَالُوا:يَا أَبَا الْقَاسِمِ،حَاجِّنَا فِي عِيسَى؟قَالَ:«هُوَ عَبْدُ اللَّهِ،وَ رَسُولُهُ،وَ كَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ،وَ رُوحٌ مِنْهُ».
فَقَالَ أَحَدُهُمْ:بَلْ هُوَ وَلَدُهُ وَ ثَانِي اثْنَيْنِ.وَ قَالَ آخَرُ:بَلْ هُوَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ،أَبٌ وَ ابْنٌ وَ رُوحُ الْقُدُسِ،وَ قَدْ سَمِعْنَاهُ فِي قُرْآنٍ نَزَلَ عَلَيْكَ يَقُولُ:فَعَلْنَا وَ جَعَلْنَا وَ خَلَقْنَا،وَ لَوْ كَانَ وَاحِداً لَقَالَ:خَلَقْتُ وَ جَعَلْتُ وَ فَعَلْتُ.فَتَغَشَّى النَّبِيَّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)الْوَحْيُ فَنَزَلَ عَلَيْهِ صَدْرُ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إِلَى قَوْلِهِ رَأْسِ السِّتِّينَ مِنْهَا: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعٰالَوْا نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ.
فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)[الْقِصَّةَ وَ تَلاَ]الْقُرْآنَ،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:قَدْ-وَ اللَّهِ-أَتَاكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ.فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ أَمَرَنِي بِمُبَاهَلَتِكُمْ».
[١] في المصدر:الشمس حيث يغرب فيه شرابام
[٢] في«ط»نسخة بدل:المسلمين.
[٣] عزاليها:مطرها.«لسان العرب-عزل-١١:٤٤٣».
[٤] في«ط»و المصدر:و أحضرهم.
[٥] في«ط»:فأين تعدّينا.
[٦] في«ط»:أيامه.