البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩٥ - بقرة آيه ١٠٣- ١٠٢
النَّظَرَ فِي حُجَجِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعْلَمُوا،عَذَّبَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلَ،وَ جَحْدِهِمُ الْحَقَّ».
قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ وَ أَبُو الْحَسَنِ:قُلْنَا لِلْحَسَنِ أَبِي الْقَائِمِ(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ):فَإِنَّ عِنْدَنَا قَوْماً يَزْعُمُونَ أَنَّ هَارُوتَ وَ مَارُوتَ مَلَكَانِ اخْتَارَتْهُمَا الْمَلاَئِكَةُ لَمَّا كَثُرَ عِصْيَانُ بَنِي آدَمَ،وَ أَنْزَلَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَعَ ثَالِثٍ لَهُمَا إِلَى الدُّنْيَا،وَ أَنَّهُمَا افْتَتَنَا بِالزُّهَرَةِ،وَ أَرَادَا الزِّنَا بِهَا،وَ شَرِبَا الْخَمْرَ،وَ قَتَلاَ النَّفْسَ الْمُحَرَّمَةَ،وَ أَنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمَا بِبَابِلَ،وَ أَنَّ السَّحَرَةَ مِنْهُمَا يَتَعَلَّمُونَ السِّحْرَ،وَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَخَ تِلْكَ الْمَرْأَةَ هَذَا الْكَوْكَبَ الَّذِي هُوَ الزُّهَرَةُ.
فَقَالَ الْإِمَامُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«مَعَاذَ اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ،إِنَّ الْمَلاَئِكَةَ مَعْصُومُونَ مِنَ الْخَطَأِ مَحْفُوظُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَ الْقَبَائِحِ بِأَلْطَافِ اللَّهِ تَعَالَى،فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ: لاٰ يَعْصُونَ اللّٰهَ مٰا أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ مٰا يُؤْمَرُونَ [١]وَ قَالَ: وَ لَهُ مَنْ فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ مَنْ عِنْدَهُ يَعْنِي الْمَلاَئِكَةَ لاٰ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبٰادَتِهِ وَ لاٰ يَسْتَحْسِرُونَ* يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ لاٰ يَفْتُرُونَ [٢].
وَ قَالَ فِي الْمَلاَئِكَةِ: بَلْ عِبٰادٌ مُكْرَمُونَ* لاٰ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ* يَعْلَمُ مٰا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مٰا خَلْفَهُمْ وَ لاٰ يَشْفَعُونَ إِلاّٰ لِمَنِ ارْتَضىٰ وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ [٣]».
ثُمَّ قَالَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):لَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُونَ كَانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ هَؤُلاَءِ الْمَلاَئِكَةَ خُلَفَاءَ [٤] عَلَى الْأَرْضِ،فَكَانُوا كَالْأَنْبِيَاءِ فِي الدُّنْيَا أَوْ كَالْأَئِمَّةِ [٥]،أَ فَيَكُونُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَ الْأَئِمَّةِ قَتْلُ النَّفْسِ وَ فِعْلُ الزِّنَا؟!».
ثُمَّ قَالَ:«أَ وَ لَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُخْلِ الدُّنْيَا قَطُّ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ إِمَامٍ مِنَ الْبَشَرِ؟أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ:
وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ قَبْلِكَ يَعْنِي إِلَى الْخَلْقِ إِلاّٰ رِجٰالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرىٰ [٦]فَأَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ الْمَلاَئِكَةَ إِلَى الْأَرْضِ لِيَكُونُوا أَئِمَّةً وَ حُكَّاماً،وَ إِنَّمَا أُرْسِلُوا إِلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ».
قَالاَ:قُلْنَا لَهُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):فَعَلَى هَذَا لَمْ يَكُنْ إِبْلِيسُ أَيْضاً مَلَكاً؟ فَقَالَ:«لاَ،بَلْ كَانَ مِنَ الْجِنِّ،أَ مَا تَسْمَعَانِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: وَ إِذْ قُلْنٰا لِلْمَلاٰئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّٰ إِبْلِيسَ كٰانَ مِنَ الْجِنِّ [٧]فَأَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْجِنِّ،وَ هُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ الْجَانَّ خَلَقْنٰاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نٰارِ السَّمُومِ [٨]».
ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ):«حَدَّثَنِي أَبِي،عَنْ جَدِّي،عَنِ الرِّضَا(عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ)،عَنْ آبَائِهِ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ)،عَنْ
[١] التحريم ٦٦:٦.
[٢] الأنبياء ٢١:١٩ و ٢٠.
[٣] الأنبياء ٢١:٢٦-٢٨.
[٤] في المصدر:خلفاءه.
[٥] في المصدر:و كالأئمّة.
[٦] يوسف ١٢:١٠٩.
[٧] الكهف ١٨:٥٠.
[٨] الحجر ١٥:٢٧.